"إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ"؛ معناهُ: إذا جاءَك يا مُحَمَّدُ منافِقُوا أهلِ المدينةِ عبدُالله بنُ أُبَي وأصحابهُ،"قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ"، قالُوا: نُقسِمُ إنَّكَ لرسولُ اللهِ، وعلى ذلكَ ضَمِيرُنا واعتقادُنا،"وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ"، من غيرِ شهادة المنافقين وحلفِهم"وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ"؛ أي واللهُ يخبر أنَّ المنافقين لكَاذبون فيما يعتقدونَهُ بقُلوبهم وما يقُولون بأَلسِنَتِهم، فهُم كاذِبون في إخبارهم عمَّا في ضَمائرِهم، فأمَّا شَهادتُهم بألسِنتهم أنه رسولُ الله فقد كانت صِدْقًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً"؛ أي سُتْرَةً يدفعون بها عن أنفُسِهم السَّبي والقتلِ والجزية كمَن أعدَّ على نفسهِ جُنَّةً لدفعِ الجراح. قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ"؛ أي مَنَعُوا الناسَ عن طاعةِ الله وامَتنعوا عنها،"إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ"؛ في نفاقِهم من الكذب والخيانة.
وفي هذه الآيةِ دليلٌ أنَّ قولَ الرجُلِ: أشْهَدُ، يمينٌ؛ لأنَّ القومَ قالوا (نَشْهَدُ) فجعلَهُ اللهُ يَمينًا في هذهِ الآية، وعلى هذا أُقسِمُ وأعزِمُ وأحلِفُ، كلُّها إيمانٌ عند أبي حنيفةَ وصَاحِبَيْهِ، والثوريِّ والأوزاعي.
وقال مالكُ: (إنْ أرَادَ بهِ الْيَمِينَ فَهُوَ يَمِينٌ) ، وقال الشافعيُّ: (أُقْسِمُ لَيْسَ بيَمِينٍ وَأُقْسِمُ باللهِ يَمِينٌ) . وفي قراءةِ الحسن (اِتَّخَذُوا إيْمَانَهُمْ) بكسر الألف، أي إنَّا مُؤمِنون، اتَّخذوهُ تُقْيَةً عن القتلِ.