"لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ"؛ يعني مكَّة، أقسَمَ اللهُ بها إعْظَامًا لها، وحرف (لاَ) زائدةٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ"؛ أي وأنتَ - يا مُحَمَّدُ - حِلٌّ بمكَّة، يعني: وأنتَ مقيمٌ فيها، وقيل: أنتَ حَلالٌ فيها، تصنعُ ما تريدُ من القتلِ والأسرِ، يعني: وأنتَ حلالٌ لكَ أن تتصرَّفَ فيها، وذلك أنَّ اللهَ تعالى أحلَّ لنبيِّه عليه السلام مكَّة يومَ الفتحِ حتى قاتلَ، وقتَلَ ابن خَطَل وهو متعلِّقٌ بأستار الكعبَة، ومِقْيَسُ بن صُبَابَة وغيرَهُما.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ"؛ فهذا قسَمٌ بآدمَ وذريَّته، وجوابُ القسَمِ:"لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ"؛ أي في شدَّةٍ من حين يَنفُخ فيه الروحَ إلى أن يصلَ إلى الآخرةِ، ليعلم أنَّ الدُّنيا دارُ كَدٍّ ومشقَّة، والجنةُ دار الراحةِ والنعمة. والمكابدَةُ في اللغة: هو أن يُكَابدَ الإنسان أمرَ المعاشِ والمعاد، قال الحسنُ: (( تَكَادُ مَصَائِبُ الدُّنْيَا، وَشَدَائِدُ الآخِرَةِ، لاَ تَلْقَى ابْنَ آدَمَ إلاَّ يُكَابدُ أمْرَ الدُّنْيَا فِي مَشَقَّةٍ ) ).
قَوْلُهُ تَعَالَى:"أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ"؛ كنايةٌ عن الإنسان، وقد جاءَ في التفسيرِ: أنه نزلَ في أبي الأشَدِّ بن كَلَدَةَ الْجُمَحِيِّ، كان قويًّا شَديدًا يضعُ الأديمَ العُكاظيَّ فيقفُ عليه ويقولُ: من أزَالَني عنه فلَهُ كذا وكذا، فيجتمعُ عليه عشرةُ أقوياءٍ ويجرُّون الأديمَ، فكان ينقطعُ الأديمُ ولا تزولُ قدمَاهُ عن مكانِهما.
والمعنى: يظنُّ هذا الكافرُ بشدَّتهِ وقوَّته أنْ لن يقدرَ عليه أحدٌ؛ أي على أخذهِ وعقوبته أحدٌ، وأنْ لَنْ يُبعَثَ، واللهُ قادرٌ عليه، فيقالُ: إنه لَمَّا نزلَ ذلك حُصِرَ بطنهُ وانحصرَ بولهُ فكان يتمرَّغُ في التراب ويقولُ: قتَلَنِي ربُّ مُحَمَّدٍ.