قَوْلُهُ تَعَالَى:"يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا"؛ يعني هذا الكافرَ المذكورَ يقولُ: أهلكتُ مَالًا كثيرًا في عداوةِ مُحَمَّدٍ وأصحابهِ فلم ينفَعني ذلك. واللُّبَدُ: كلُّ ما لُبدَ بعضهُ على بعضٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى:"أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ"؛ معناه: أيظنُّ أنه لم يُحْصِ عليه ما أنفقَ، وأنه لا يُسأل عنه مِن أين اكتسبَهُ، وفيمَ أنفقَهُ؟
قَوْلُهُ تَعَالَى:"أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ"؛ ذكرَ الله مِنَّتَهُ عليه فقال: ألَمْ نجعل له عينَين يبصرُ بهما، ولِسَانًا يتكلَّمُ به، وشفتَين يستعينُ بهما على الكلامِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَينِ"؛ أي وبيَّنا له وعرَّفناهُ الخير والشرَّ، ليسلكَ طريقَ الخيرِ، ويجتنبَ طريق الشرِّ، وعن رسولِ الله":"أنَّهُ قَرَأ"وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَينِ"وَقَالَ:"أيُّهَا النَّاسُ إنَّهُمَا نَجْدَانِ: نَجْدُ الْخَيْرِ، وَنَجْدُ الشَّرِّ""."
وَقِيْلَ: معنى"وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَينِ":ألْهَمنَاهُ مصَّ الثَّديَين، والثديَان هما النَّجدان، وهذا قولُ سعيدِ بن المسيَّب والضحاك، وروايةٌ عن ابنِ عبَّاس.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَلاَ اقتَحَمَ الْعَقَبَةَ"؛ معناهُ: فلا جادَ بمالهِ بإنفاقه في طاعةِ الله، وهلاَّ دخلَ في عملِ البرِّ، وانفقَ مالَهُ في فكِّ الرِّقاب وإطعامِ الجياعِ ليجاوزَ العقبةَ، فيكون خَيرًا له من إنفاقهِ في عداوة مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
وقال مجاهدُ والضحَّاك والكلبيُّ: (( يَعْنِي بالْعَقَبَةِ الصِّرَاطَ، يُضْرَبُ عَلَى جَهَنَّمَ كَحَدِّ السَّيْفِ مَسِيرَةَ ثَلاَثَةِ آلاَفٍ سَنَةٍ سَهْلًا وَصُعُودًا وَهُبُوطًا، بجَنْبَيْهِ كَلاَلِيبُ وَخَطَاطِيفُ كَأَنَّهَا شُوْكُ السَّعْدَانِ، فَنَاجٍ سَالِمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمُكَرْدَسٌ فِي النَّار مَنْكُوسٌ.