"طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ"؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ، وقَوْلُهُ تَعَالَى:"نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ"؛ أي نقرأُ عليكَ خَبَرَ موسَى وفِرعَوْنَ بالصِّدقِ بينَهما،"لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ".
قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ"؛ أي تَجَبَّرَ وتَكَبَّرَ في أرضِ مِصْرَ"وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا"؛ أي فِرَقًا وأصْنَافًا في الخدمةِ والتَّسخيرِ؛ يُكْرِمُ قَومًا وَيُذِلُّ آخَرِين. وقولهُ تعالى:"يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ"؛ يعني بنِي إسرائيلَ، ثُم فَسَّرَ ذلكَ فقال:"يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ"؛ يقتلُ الأبناءَ ويتركُ البناتِ فلا يقتُلُهنَّ. وَقِيْلَ: معناهُ: يذبحُ أبناءَهم صغارًا ويُبقِي نساءَهم للخِدْمَةِ.
وسببُ ذلك: أنَّ بعضَ الكَهَنَةِ قالوا له: إنَّ مولُودًا يولَدُ في بني إسرائيلَ يكون سَببًا لذهاب مُلْكِكَ. قال الزجَّاج: (وَالْعَجَبُ مِنْ حُمْقِ فِرْعَوْنَ إنْ كَانَ ذلِكَ الكَاهِنُ عِنْدَهُ صَادِقًا فَمَا يَنْفَعُ القتلُ؟! وَإنْ كَانَ كَاذِبًا فَمَا مَعْنَى الْقَتْلِ؟) . وقولهُ تعالى:"إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ"؛ يعني بالقَتْلِ والعملِ بالمعاصي.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ"؛ أي نريدُ أن نُنْعِمَ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وهم بنو إسرائيلَ،"وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً"؛ يُقتَدَى بهم في الخيرِ. قال قتادةُ: (وُلاَةً وَمُلُوكًا) ودليلهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكًا" [المائدة:20] "وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ"؛ لِمُلكِ فرعونَ، ولِمساكنِ قومه، يَرِثُونَ ديارَهم وأموالَهم. قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ"؛ أي يُمَكِّنُهم ما كانَ يَملكُ فرعون.