"كهيعص"؛ قال ابنُ عبَّاس: (أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ ثَنَاءٌ أثْنَى بهِ الرَّبُّ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْكَافُ مِنَ كَافٍ، وَالْهَاءُ مِنْ هَادٍ، وَالْيَاءُ مِنْ حَكِيْمٍ، وَالْعَيْنُ مِنْ عَلِيْمٍ، وَالصَّادُ مِنْ صَادِقٍ وَصَمَدٍ) . وَقِيْلَ: معناهُ: كافٍ لخلقهِ هادٍ لعبادهِ، يده فوقَ أيديهم، عالِمٍ ببَريَّتهِ، صادقٍ في وعدهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ"؛ أي بهذا اذكر رحمةَ ربك على زكرَّيا، أو ما يُتْلَى عليكم ذكرُ رحمةِ ربكَ، و (عَبْدَهُ) منصوبٌ بالرحمة. قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيًّا"؛ أي إذ دعَا ربَّهُ سِرًّا في جوفِ اللَّيلِ مُخلصًا لَم يطَّلِعُ عليه إلاَّ اللهُ،"قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي"؛ أي ضَعُفَ منِّي.
قال قتادةُ: (شَكَا ذهَابَ أضْرَاسِهِ) ، والوَهَنُ في اللغة: نُقْصَانُ الْقُوَّةِ،"وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا"؛ يقولُ: شِخْتُ وَضَعُفْتُ، ومن الموتِ قَرُبْتُ. والاشتعالُ: انتشارُ شُعَاعِ النَّارِ، واشتعالهُ في الشَّيْب من أحسنِ الاستعارةِ؛ لأنه ينتشرُ في الرأسِ، كما ينتشرُ شُعاع النارِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: شَيْبًا) نُصِبَ على المصدرِ، وهذا يدلُّ على أن أفضلَ الدُّعاء دعاءُ السرِّ، كما قال":"خَيْرُ الدُّعَاءِ الْخَفِيُّ، وَأفْضَلُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي"."
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّا"؛ أي كنتَ تُجيبُنِي إذا دعوتُكَ، وقد عوَّدْتَني الإجابةَ في ما مضى فلِمَ لا تُجيبُنِي.