"وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا"؛ أقسَمَ اللهُ بالملائكةِ إعْظَامًا لَهم، وللهِ أنْ يُقسِمَ بغيرهِ، وليس للعبادِ أنْ يُقسِمُوا إلاَّ به. ويجوزُ أن يكونَ القسَمُ ها هُنا برب الملائكةِ، كأنَّهُ قالَ: ورَب النازعاتِ. والنَّازعَاتُ: الملائكةُ الذين ينْزِعون أرواحَ الكفَّار بالشَّدة من أجسادِهم، من تحتِ كلِّ شعرةٍ، ومن تحت الأظفَار وأُصولِ القدَمين، ثم يردونَها في جسدِها حتى إذا كادت تخرجُ ردُّوها في بدنهِ.
قال مقاتلُ: (( يَعْنِي مَلَكَ الْمَوْتِ وَأعْوَانَهُ ) ). قال سعيدُ بن جبير: (( يَنْزِعُونَ أرْوَاحَهُمْ فَيُفَرِّقُونَهَا ثُمَّ يُقذِفُونَ بهَا فِي النَّار ) ). وقال السديُّ: (( هِيَ النَّفْسُ الَّتِي تَغْرَقُ فِي الصُّدُور ) ). وَقِيْلَ: يرَى الكافرُ نفسه وقتَ النَّزع كأنَّها تغرقُ. وَقِيْلَ: معناهُ: تنْزِعُ الملائكةُ أرواحَ الكفار عن أجسادِهم كما يَغرَقُ النَّازعُ في القوسِ فيبلغُ بها غايةَ الْمَدِّ، والْمَغْرِقُ اسمُ مصدرٍ أُقيم مقامَ الإغراقِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا"؛ هم الملائكةُ يَنشِطُونَ روحَ الكافرِ من قدَميه إلى حَلقهِ نَشْطًا كما ينشط الصوفُ من سُفُودِ الحديدِ. قِيْلَ إنَّهم ينشِطُون أرواحَ الكفَّار نَشْطًا عَظيمًا ويجذِبونَها جَذبًا شَديدًا بكَرَبٍ ومشقَّةٍ وغَمٍّ، كنشط السُّفود الكثيرِ الشَّعر من الصوف المتلبد، فيشتدُّ عليهم خروجُ أرواحِهم، يقالُ: نَشَطَتُ يدَ البعيرِ إذا نَطَقْتُهُ بالحبلِ، وأنشَطتهُ إذا حلَلتُهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا"؛ هم الملائكةُ الموكَّلون بقبضِ أرواح المؤمنين، يُسلونَها سَلاًّ رَفيقًا، ثم يدَعونَها تستريحُ رُويدًا كالسَّائحِ بالشيءِ في الماءِ يرفِقُ به، وقال مجاهدُ: (( هُمُ الْمَلاَئِكَةُ يَنْزِلُونَ مِنَ السَّمَاءِ مُسْرِعِينَ كَالْفَرَسِ الْجَوَادِ السَّابحِ لِسُرعَتِهِ ) ). وقال الكلبيُّ: (( يَقْبضُونَ أرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ كَالَّذِي يَسِبَحُ فِي الْمَاءِ، فَأَحْيَانًا يَنْغَمِسُ وَأحْيَانًا يَرْتَفِعُ، يَسِلُّونَهَا سَلاًّ رَفِيقًا ) ). وقال قتادةُ: (( هِيَ النُّجُومُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى"كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" [الأنبياء:33] ) . وقال عطاءُ: (( هِيَ السُّفُنُ ) ).