قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا"؛ هم الملائكةُ سَبقتْ بنِي آدمَ بالخيرِ والعمل الصالحِ والإيمانِ والتَّصديقِ. وَقِيْلَ: يستَبقُون بأرواحِ المؤمنين إلى الجنَّة. قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا"؛ يعني جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ وملَكَ الموتِ، يدبرون أمرَ اللهِ في أهلِ الأرض، فجبريلُ للوَحيِ والتَّنْزيلِ، وميكائيلُ للقَطْرِ والنبات، وإسرافيلُ للصُّور، وملَكُ الموتِ لقبضِ الأرواح، وجوابُ هذه الأقسامِ محذوفٌ، تقديرهُ: لَتُبْعَثُّنَّ للجزاءِ والحساب ولَتُحَاسَبُنَّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ"؛ يعني النفخةَ الأُولى التي يَمُوتُ فيها جميعُ الخلقِ، والرَّجفَةُ صيحةٌ عظيمةٌ فيه تردُّد واضطرابٌ،"تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ"؛ يعني النفخةَ الثانيةَ ردَفَتِ النفخةَ الأُولى، وبينَهما أربعون سَنة، وسُميت الثانيةُ رَادِفَةً تَشبهًا بالرَّادِفِ من الرَّاكب.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ"؛ أي مُضطربة قَلِقَةٌ لِمَا عايَنت من أهوالِ يوم القيامة. قِيْلَ: أرادَ بها قلوبَ الكفَّار. والوَجِيفُ: اضطرابُ القلب، وقال مجاهَدُ: (( مَعْنَى وَاجِفَةٌ: وَجِلَةٌ ) )، وقال السديُّ: (( زَائِلَةٌ عَنْ أمَاكِنِهَا ) ). وَقِيْلَ: غيرُ هادئةٍ ولا ساكنة، وقال أبو عمرو: (( مُرْتَكِضَةٌ ) ).
قَوْلُهُ تَعَالَى:"أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ"؛ أي أبصارُ أصحابها ذليلةٌ خاضِعة، وذلك أنَّ المضطربَ الخائفَ لا بدَّ أن يكون نظرهُ نظرَ الذليلِ الخاضعِ؛ لترقُّب ما ينْزِلُ من الأمرِ. ويقالُ: ذليلةٌ عند معايَنة النار، كقوله"خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ" [الشورى:45] .