فهرس الكتاب
ويقال: معنى (ثُمَّ) هنا بمعنى الواو على طريق الجمع والعطف دون التَّراخِي، فإنَّ خَلْقَ العرشِ والاستيلاء عليه كان قَبْلَ خَلْق السَّمواتِ والأَرضِ. وقد وردَ في الخبر:"أنَّ أوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللهُ الْقَلَمُ، ثُمَّ اللَّوْحُ، فأَمَرَ اللهُ الْقَلَمَ أنْ يَكْتُبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. ثُمَّ خَلَقَ الْعَرِْشَ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ"
قَوْلُهُ تَعَالَى:"ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً"؛ أي ادْعُوهُ علانيةً وسِرًّا، فإنَّ التَّضَرُّعَ من الضَّرَاعَةِ وهي إظهارُ شدَّة الحاجةِ. ويقالُ: معنى التَّضَرُّعِ: التَّمَلُّقُ والتَّخَشُّعُ والْمَيْلُ في الجهادِ، يقال: ضَرَعَ يَضْرَعُ ضَرْعًا إذا مالَ بإِصْبعَيْهِ يَمينًا وشِمالًا خَوْفًا وذُلًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَخُفْيَةً"أي أدعُوا بالخضوعِ في السِّرِّ ودونَ العلانيةِ فكأنَّ اللهَ تعالى أمرَ في الدعاءِ أن يُجْمَعَ بَيْنَ أن يُخْفِيْهِ وبين أن يَفْعَلَهُ في غايةِ الْخُضُوعِ والانقطاعِ إليه؛ لإنَّ ذلكَ أبعدُ من الرِّياءِ.
وهذا القولُ أصحُّ من الأوَّلِ لقولهِ":"خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ"وعن الحسنِ أنه قالَ: (كَانُوا يَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاءِ فَلا تَسْمَعُ إلاَّ هَمْسًا) ."