قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ"؛ أي ما يغيبُ وما يبعُد،"مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ"، من وزنِ نَملَةٍ حميراء صغيرةٍ من أعمالِ العباد،"فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلِكَ"ولا أخفَّ من الوزنِ من الذرَّة،"وَلا أَكْبَرَ"، ولا أثقلَ منه،"إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ"، إلاّ وهو مع علمِ الله تعالى ومكتوبٌ في اللوحِ المحفوظ. والعُزُوبُ البُعْدُ والذهابُ، ويَعْزُِبُ بضمِّ الزاي وكسرِها لُغتان. قَوْلُهُ تَعَالَى:"مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ"أي وَزْنَ ذرَة، ومثقالُ الشيء ما وَازَنَهُ.
قال الفرَّاءُ: (مَنْ نَصَبَ قَوْلُهُ تَعَالَى:"أَصْغَرَ"و"أَكْبَرَ"فَإِنَّمَا أرَادَ الْخَفْضَ يُتْبعْهُمَا الْمِثْقَالَ وَالذرَّةَ، إلاَّ أنَّهُمَا لاَ يَنْصَرِفَانِ؛ لأنَّهُمَا عَلَى وَزْنِ أفْعَلَ اتِّبَاعُ مَعْنَى الْمِثْقَالِ؛ لأنَّكَ لَوْ لَقِيتَ مِنَ الْمِثْقَالِ مَنْ كَانَ رَفْعًا وَهُوَ كَقَوْلِهِ: مَا أتَانِي مِنْ أحَدٍ عَاقِلٍ وَعَاقلٌ، وَكَذلِكَ: مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرِهِ وَغَيْرُهُ) .
وَقِيْلَ: رُفع على الابتداءِ، وخبرهُ"إِلاَّ فِي كِتَابٍ"فمَن قرأ (وَلاَ أصْغَرَ وَلاَ أكْبَرَ) بالنصب فالمعنى: وما يعزبُ عن ربك مِن مثقال ذرَّة، ولا أصغرَ من ذلكَ ولا أكبرَ. ومَن رفع المعنى: وما يعزبُ عن ربكَ مِثقالُ ذرَّةٍ، ولا أصغرُ ولا أكبر.