قالَتِ الكفارُ لَهم: فتوَكَّلوا أنتم على اللهِ حتى ترَونَ ما يفعلُ بكم، قالت الرُّسل:"وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا"؛ أي حسبُنا، والهدايةُ من اللهِ هي الدلالةُ على الحقِّ والرشدِ،"وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَآ آذَيْتُمُونَا"؛ على أذاكُم،"وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ"؛ والتوكُّلُ هو التمسُّكُ بطاعةِ الله مع الرِّضا بقضائهِ وتدبيره.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ"؛ أي قالت الكفارُ لرُسُلِهم: لا نُسَاكِنُكم على مخالفتِكم ديننا"أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا"وقد ذكرنَا في قصَّة شعيب،"فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ"، فأوحَى اللهُ إلى الرُّسُلِ:"لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ"، أي الكفارِ،"وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ"؛ أرضَهم وديارهم،"مِن بَعْدِهِمْ"؛ من بعد هلاكِهم، وهذا نِهايةُ ما في الإنعامِ، فإن هذا جزاءُ مَن توكَّلَ على اللهِ،"ذلِكَ"؛ جزاءٌ،"لِمَنْ خَافَ مَقَامِي"؛ مقامَ العبادِ عندي،"وَخَافَ وَعِيدِ"؛ وخاف وعيدي بالعقاب ولِمَن عصانِي.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ"؛ أي سألَتِ الرُّسل ربَّهم أن يحكُمَ بينهم وبين الكفارِ؛ لأن الفتحَ ها هنا بمعنى الْحُكْمِ، يقال للحاكِم: الفَتَّاحُ، فلما فزِعَتِ الرسلُ إلى ربهم بانجاز الوعد، فتحَ لهم ما طلبوهُ فخابَ كلُّ جبارٍ عنيد.
والجبارُ: هو الطالبُ للخير والعُلُوِّ فوقَ كلِّ عُلُوٍّ، والعنيدُ: هو الدافعُ للحقِّ على جِهةِ الاستنكار، وقال قتادةُ: (الْعَنِيدُ: الْمُعْرِضُ عَنْ طَاعَةِ اللهِ) ، وقال مجاهدُ: (هُوَ الْمُجَانِبُ لِلْحَقِّ) .