قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا"؛ أي ليسَ لَهم فضلٌ علينا،"وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ"؛ يعني بَنِي إسرائيلَ لنا مطيعونَ،"فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ الْمُهْلَكِينَ"؛ بتكذِيبهما. قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ"؛ يعني التوراةَ،"لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ"؛ لكي يهتَدُوا به من الضَّلالة.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً"؛ أي جعلْنَا ولادةَ عيسى من غيرِ أبٍ دلالةً على التوحيدِ والبعثِ، ولَم يقل: آيَتَيْنِ؛ لأن معنى الآيةِ فيهما واحدةٌ. وَقِيْلَ: معنى كلِّ واحدٍ منهما آيةٌ، كما قال"كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا" [الكهف:33] أي آتَتْ كلُّ واحدةٍ أُكُلَها، وقال تعالى:"إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ" [المائدة:90] ولَم يقُلْ أرْجَاسٌ. وَقِيْلَ: معناهُ: جعلنا شأنَهما واحدًا؛ لأن عيسى وُلِدَ من غيرِ أبٍ، وأمُّهُ ولَدَت من غير مسيسٍ ذكَرٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ"؛ أي جعلنَاهُما يَأْوِيَانِ إلى بُقعة مرتفعة ذاتِ استواءٍ واستقرار، ومكان ظاهر. والرَّبْوَةُ: المكانُ المرتفع من الأرضِ.
واختَلَفُوا في هذه البُقعةِ، قال قتادةُ: (يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ أرْفَعُ مَوْضِعٍ فِي الأَرْضِ وَأقْرَبُ مَوْضِعٍ إلَى السَّمَاءِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيْلًا) ، وقال أبُو هريرةَ: (هِيَ رَمْلَةُ بأَرْضِ فِلِسْطِيْنَ) ، وروى الحسنُ وابنُ المسيِّب: (أنَّهَا دِمَشْقُ) . وقولهُ تعالى"ذَاتِ قَرَارٍ"أي مُستَويةٍ ليستقرَّ عليها ساكِنُوها، وهي مع ذلك ساحةٌ واسعة، والْمَعِيْنُ الماءُ الجاري الطاهرُ الذي تراهُ العيون، يقال عَانَتِ الرُّكبة إذا سَالَتْ بالماءِ.