وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ غَضِبَتْ آلِهَتُكُمْ حِيْنَ رَأتْ هَذا الرَّجُلَ يَعِيبَهَا وَيَدْعُوهُمْ إلَى عِبَادَةِ غَيْرِهَا، فَحَيَتْ وَغَضِبَتْ لِكَيْ تَغْضَبُواْ لِغَضَبهَا وَتَنْصُرُونَهَا. فَاجْتَمَعَ رَأيُهُمْ عَلَى قَتْلِهِ، فَطَرَحُوهُ فِي بئْرٍ ضَيِّقَةِ الْمَدْخَلِ عَمِيْقَةِ الْقَعْرِ، وَجَعَلُواْ عَلَى رَأسِهَا صَخْرَةً عَظِيْمَةَ، وَقَالُواْ: إنَّمَا غَرَضُنَا أنْ تَرْضَى بنَا آلِهَتُنَا إذا رَأتْ أنْ قَدْ قَتَلْنَا مَنْ كَانَ يَعِيْبُهَا وَدَفَنَّاهُ بحُكْمِ كَرْبي، فَارْحَمْ ضَعْفِي وَقِلَّةَ حِيْلَتِي وَعَجِّلْ قَبْضَ رُوحِي، وَلاَ تُؤَخِّرْ إجَابَةَ دَعْوَتِي.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا"؛ حين فَرُّوا في آثارِهم فيخافُوا ويعتبروا،"بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُورًا"؛ أي كانوا لا يخافونَ البعثَ والنُّشورَ. أخبرَ اللهُ تعالى أن الذي جرَّأهم على التكذيب أنَّهم لا يصدِّقون بالبعثِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا"؛ أي واذا رَأوْكَ كفارُ مكَّة أبو جهلٍ وأصحابهُ ما يتَّخِذُونَكَ إلاّ هُزوًا؛ أي مَهْزُوءً يستهزِؤنَ بكَ ويقولون على وجهِ الاستهزاء:"أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا"؛ إلينا،"إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا"؛ أي لقد كادَ يصرفُنا عن عبادةِ آلِهتنا،"لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا"؛ على عبادتَها. قَالَ اللهُ تَعَالَى:"وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ"؛ يومَ القيامةِ،"حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا"؛ أي من أخطأُ طَريقًا عن الْهُدَى والدِّين والحجَّة هم أمِ المؤمنونَ.