قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا"؛ أي لو شِئنا لبعَثنا في كلِّ قريةٍ نَذيرًا ينذِرُهم، ولكن بعثناكَ يا مُحْمَّدُ إلى القُرَى رَسُولًا لعِظَم كرامَتِك علينا، وليكون كلُّ الثواب والكرامة لك خاصَّةً،"فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ"؛ فِيما يطلبونَ منكَ أن تعبُدَ آلِهَتهم، ومداهنَتَهم،"وَجَاهِدْهُمْ بِهِ"؛ أي بالقُرْآنِ،"جِهَادًا كَبيرًا"؛ شَديدًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ"؛ أي وهو الذي أرسلَ البَحْرَيْنِ في مجارَيهما، يقالُ: مَرَجْتُ الدَّابَّةَ؛ أي أرسَلْتُها في الْمَرْجِ ترعَى.
وأرادَ بقوله"هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ"النيلُ والأنْهارُ العِظَامُ، والفراتُ ما يكون في غايَةِ العذُوبَةِ، وأرادَ بالملحِ الأُجَاجِ الذي يكون ماؤُها في غايةِ المرارة، ويقالُ: في غاية الحرارةِ، من قولِهم: أجَّجْتَ النارَ إذا وَقَدْتَها، وتأجَّجَتِ النارُ إذا توقَّدَت، ويقالُ: ماءُ مِلْحٌ ولا يقال: مالِحٌ إلاّ لِمَا يُلْقَى فيه الملحُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا"؛ أي حَاجِزًا يَمنَعُ كلَّ واحدٍ منهما من تغييرِ الآخر، وهو ما بين العَذْب والملحِ من الأرض. ويقال: أصلُ الْمَرْجِ الْخَلْطُ، وَمِنْ ذلِكَ الْمَرْجُ؛ لأنه يكون فيه أخلاطٌ من النباتِ، ومنهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:"فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ" [ق:5] أي مُختَلِطٍ بالملحِ والعَذْب في مرأى العينِ مختلِطَان، وفي قدرةِ الله منفَصِلان، لا يغيِّرُ أحدُهما طَعْمَ الآخرِ."بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا"أي حَاجِزًا من قدرةِ الله تعالى، و"حِجْرًا"أي مانعًا يَمْنعُ من اختلاطِهما، وفسادِ أحدهما بالآخرِ، ومعنى قولهِ تعالى"وَحِجْرًا مَّحْجُورًا"أي حَرَامًا مُحَرَّمًا أن يُفْسِدَ الملحُ العذبَ.