وقال أبو علِيِّ الفارسي: (إذا نُوِّنَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الْفَزَعُ وَاحِدًا، وَيَجُوزُ أنْ يَعْنِي بهِ الْكَثْرَةَ لأنَّهُ مَصْدَرٌ، وَالْمَصَادِرُ تَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ وَإنْ كَانَتْ مُفْرَدَةَ الأَلْفَاظِ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:"وَإِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ" [لقمان:19] ) . قال الكلبيُّ: (إذا أطْبَقَتِ النَّارُ عَلَى أهْلِهَا فَزِعُواْ فَزْعَةً لَمْ يُفْزَعُواْ مِثْلَهَا أبَدًا، وَأهْلُ الْجَنَّةِ آمِنُونَ مِنْ ذلِكَ الْفَزَعِ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ"؛ أي من وَافَى بالشِّرْكِ والكبائرِ"فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ"أي أُلْقُوا على وجوهِهم في النار، ويقولُ لَهم خَزَنَةُ جهنَّمَ:"هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ"؛ في الدُّنيا مِن الشِّرك.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا"؛ أي قُل يا مُحَمَّدُ للمشركينَ:"إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ"يعني مكَّة"الَّذِي حَرَّمَهَا"أي الذي حَرَّمَ فيها ما أحلَّ في غيرِها من الاصطيادِ؛ والاختلاءِ؛ والقَتْلِ؛ والسَّبيِ؛ والظُّلم، وأن لا يهاج فيها أحدٌ حتى يخرجَ منها، فلا يصادُ صيدُها ولا يختَلَى خِلاَلَها.
وَقِيْلَ: معنى"حَرَّمَهَا"أي عظَّم حُرمَتها، فجعلَ لَها من الأمنِ ما لَم يجعل لغيرِها. وقولهُ تعالى:"وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ"؛ لأنه خَالِقُهُ ومَالِكُهُ. وقرأ ابنُ عبَّاس (الَّتِي حَرَّمَهَا) أشارَ إلى البلدةِ.