فهرس الكتاب
واختلفَ النُّحاةُ في نصب قولهِ"حُسْنًا"، فقال البصرِيُّون: بنَزْعِ الخافضِ؛ تقديرهُ: ووصَّينا الإنسانَ بالْحُسْنِ، كما يقالُ: وَصِّيهِ خَيْرًا؛ أي بخَيْرٍ، وقال الكوفِيُّون: ووصَّينا الإنسانَ أن يفعلَ حُسنًا، فحذفَهُ لدلالةِ الكلام عليه. وَقِيْلَ: هو مثلُ قولهِ"فَطَفِقَ مَسْحًا" [ص:33] أي يمَسْحُ مَسْحًا. وَقِيْلَ: معناهُ: ألْزَمْنَاهُ حُسنًا. وقرأ أبو رجَاءٍ: (حَسَنًا) بفتح الحاء والسين، وفي مُصحَفِ أُبَيٍّ: (إحْسَانًا) .
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ"أي في زُمرَةِ الأنبياءِ والأولياء، وَقِيْلَ: خواصِّ أصحاب مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
قولهُ:"وَمِنَ النَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ"؛ رُوي أنَّ هذه الآيةَ نزلت في عيَّاشِ بنِ أبي ربيعةَ، كَانَ أسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللهِ"، وَكَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أُمِّهِ وَأخَوَيْهِ لأُمِّهِ وَهُمَا أبُو جَهْلٍ وَالْحَارثِ."
فَخَرَجَ عَيَّاشُ بَعْدَ مَا أعْلَنَ إسْلاَمَهُ هَاربًا إلَى الْمَدِيْنَةِ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبيِّ صلى الله عيله وسلم، وَبَلَغَ أُمَّهُ الْخَبَرَ فَجَزِعَتْ جَزَعًا شَدِيْدًا، وَامْتَنَعَتْ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَاب، فَخَرَجَ أخَوَاهُ وَقَوْمَهُ فِي طَلَبهِ، فَأَخَذُوهُ وَقَيَّدُوهُ، وَحَلَفَتْ أُمُّهُ أسْمَاءُ بنْتُ مَخْرَمِ بْنِ أبي جَنْدَلٍ باللهِ: لاَ أحُلُّكَ مِنْ وثَاقِكَ حَتَّى تَكْفُرَ بمُحَمَّدٍ، ثُمَّ أقْبَلَتْ تَجْلِدُهُ بالسِّيَاطِ وَتُعَذِّبُهُ حَتَّى كَفَرَ جَزَعًا مِنَ الضَّرْب، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ.