قَوْلُهُ تَعَالَى:"أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ"؛ أي ألَمْ تعلَمْ أنَّ السُّفنَ تجري في البحرِ بإنعَامِ اللهِ تعالى، لو لَم يخلُقٍ الرِّياح والماءَ على الهيئةِ التي خلَقَها الله عليها لَما جَرَتِ السُّفن على ظهرِ الماءِ،"إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ"؛ أي لدلالات على توحيد الله،"لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ"؛ أي كثيرِ الصَّبرِ على الطاعات والْمِحَنِ، شَكُورًا أي كثيرَ الشُّكر على نِعَمِ الله تعالى، قال":"إنَّ أحَبَّ الْعِبَادِ إلَى اللهِ مَنْ إذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ"."
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ"؛ أي إذَا أصابَهم في البحرِ مَوْجٌ كالجبالِ في الارتفاعِ دَعَوُا اللهَ مُخلِصِينَ له الدُّعاء،"فَلَمَّا نَجَّاهُمْ"؛ من البحرِ وأهوالهِ،"إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ"؛ أي منهم مَن يثبتُ على ذلكَ، ومنهم مَن يجحَدُ. ثُم قال:"وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ"؛ أي لاَ ينكِرُ دلائلَ توحيدِنا،"إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ"؛ أي غَدَّارٍ،"كَفُورٍ"؛ أي أكثرَ الكُفْرَ بآياتِ الله ونِعَمِهِ. والْخَتْرُ في اللُّغة: أقبحُ الغَدْر. والظُّلَلُ: جمعُ ظُلَّةٍ وهي السَّحابةُ التي ترتفعُ فتغَطِّي ما تحتَها.
وإنَّ هذه الآيةَ كانت سببَ إسلامِ عِكْرِمَةَ بن أبي جهلٍ، وذلك أنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، أمَّنَ النَّبيُّ"النَّاسَ إلاَّ أرْبَعَةَ نَفَرٍ، فَإنَّهُ قَالَ:"اقْتُلُوهُمْ، وَلَوْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِيْنَ بأَسْتَار الْكَعْبَةِ: عِكْرِمَةُ بْنُ أبي جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الأَخْطَلِ، وَمَقِيْسُ بْنُ صَبَابَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدٍ بنِ أبي سَرْحٍ"."