فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ"؛ بلا مَهرٍ إن أراد النبيُّ أن يتزوَّجَها، ومَن قرأ (وَهَبَتْ) بالفتحِ، فمعناهُ: أحللناهَا أنْ وهَبَت، وهي قراءةُ الحسنِ، فالفتحُ على الماضِي والكسرُ على الاستئنافِ، وقَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا"؛ أي إنْ أرادَ النبيُّ أن يتزوَّجَها فلَهُ ذلكَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى:"خَالِصَةً لَّكَ"؛ أي خاصَّةً لكَ،"مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ"؛ فليسَ لامرأةٍ أن تَهَبَ نفسَها لرجلٍ بغيرِ شُهودٍ ولا وَلِيٍّ ولا مَهْرٍ إلاّ للنبيِّ"، وهذا مِن خَصَائِصِهِ في النِّكاحِ، كالتَّخْييرِ والعددِ في النِّساء."
ولو تزوَّجَها بلفظِ الهبة وقَبلَها بشهودٍ ومَهْرٍ انعقدَ النكاحُ ولَزِمَ المهرُ، وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ، وقال الشافعيُّ ومالكٌ: (لاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بلَفْظِ الْهِبَةِ إلاَّ للنَّبيَّ"خَاصَّةً؛ لأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ"إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ"وَلَمْ يَقُلْ لَكَ، لأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ، كَانَ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّهُ يَجُوزُ ذلِكَ لِغَيْرِهِ عليه السلام كَمَا جَازَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:"وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ"، لأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى"خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ"."
وحُجَّةُ أبي حنيفةَ وأصحابهِ: إنَّ إضافةَ الهبةِ إلى المرأةِ دليلًا أنَّ النبيَّ لَم يكن مَخْصُوصًا بالنكاحِ بلفظةِ الهبةِ، وإنَّما كانت خُصوصِيَّة في جواز النِّكاح ِ بغير بدلٍ، ولو لَم يكن بلفظِ الهبةِ نكاحًا لِمَا قالَ تَعَالَى"إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا"، فلمَّا جعلَ اللهُ الهبةَ جوابًا للاسْتِنْكَاحِ، عُلِمَ أنَّ لفظَ الهبة نِكَاحٌ.