فهرس الكتاب
وفي هذه الآية دلالةٌ على فرض القتالِ كما قال تعالى:"كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَا" [البقرة:183] وأراد به فرضَ الصيام. ثم لا يخلو القتالُ المذكور في هذه الآية من أن يرجع إلى معهودٍ قد عرفَهُ المخاطَبون وهو قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ" [البقرة:190] وقولهُ:"وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ" [البقرة:191] .
وتكونُ هذه الآية تأكيدًا لذلك القتلِ المعهودِ الذي عُلم حكمه، فيكونُ القتال في هذه الآية راجعًا إلى جنسِ القتال، فتكون هذه الآية مجملةً مفتقرةً إلى البيان؛ لأن من المعلوم أن الله تعالى لم يأمُرْ بالقتالِ الناسَ كلهم، فلا يصحُّ اعتقادُ العموم فيه، فكان بيانُ هذا المجملِ بقولهِ تعالى:"قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ" [التوبة:29] وقوله:"فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ" [التوبة:5] .
قوله عَزَّ وَجَلَّ:"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ"؛ قال ابنُ عباسٍ في سبب نزولِ هذه الآية:"أنَّ النَّبيَّ"بَعَثَ ابْنَ عَمَّتِهِ عَبْدَاللهِ بنَ جَحْشٍ قَبْلَ قِتَالِ بَدْرٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ ثَمَانِيَةَ رَهْطٍ مِنَ الْمُهَاجِرِيْنَ وَهُوَ أمِيْرُهُمْ، كَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ الله"كِتَابًا، وَقَالَ لَهُ: [إذ نَزَلْتَ مَنْزِلَتَيْنِ، فَافْتَحِ الْكِتَابَ وَاقْرَأهُ عَلَى أصْحَابكَ، ثُمَّ امْضِ لِمَا أمَرْتُكَ بهِ، وَلاَ تُكْرِهْ أحَدًا مِنْ أصْحَابكَ عَلَى السَّيْرِ مَعَكَ] ."