قَوْلُهُ تَعَالَى:"كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ"؛ أي هكذا نَجزِي مَن أجرمَ جُرمَهم بمثلِ ما جازَيناهم. وعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالت:"كَانَ رَسُولُ اللهِ"إذا رَأى الرِّيحَ فَزِعَ، وَقَالَ:"اللَّهُمَّ إنِّي أسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بهِ، وَأعُوذُ بكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بهِ"وَكَانَ يَقُومُ وَيَقْعُدُ وَيَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَا لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَيَقُولُ:"إنِّي أخَافُ أنْ تَكُونَ مِثْلَ قَوْمٍ هُودٍ حَيْثُ قَالُوا: هَذا عَارضٌ مُمْطِرُنَا""."
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ"؛ الخطابُ لأهلِ مكَّة، والمعنى: ولقد مكَّنا عَادًا فيما لم نُمكِّنْكُم فيه من البَسطَةِ في المالِ والولدِ وزيادة القوَّةِ والقامَةِ وشدَّة الأبدانِ، قال المبرِّدُ: (مَا) فِي قَوْلِهِ (فِيمَا) بِمَنْزِلَةِ (الَّذِي) و (إنْ) بمَنْزِلَةِ (ما) .
وتقديرهُ: ولقد مكنَّاهم في الذي ما مكنَّاكم فيه،"وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً"؛ أي قُلوبًا يعقلون بها فلم ينفَعهم ذلك من عذاب الله إذ نزلَ بهم بسبب أنَّهم،"فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ"؛ دلائلِ الله،"وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ"؛ أي نزلَ بهم عقابُ استهزائِهم بالرُّسلِ، أخبرَ اللهُ أنَّهم أعرَضُوا عن قبولِ الْحُجَجِ والتفكُّر فيما يدلُّهم على التوحيدِ ما أعطاهم اللهُ من الحواسِّ التي تدرَكُ بها الأدلَّة.