فَلَمَّا فَرَغُواْ مِنْ كِتَاب الْقَضِيَّةِ، أقْبَلَ جَنْدَلُ بْنُ سُهَيْلٍ وَهُوَ يَرْشِفُ فِي قُيُودِهِ، وَكَانَ أبُوهُ قَدْ أوْثَقَهُ حِينَ خَشِيَ أنْ يَذْهَبَ إلَى رَسُولِ اللهِ، فَجَاءَ حَتَّى وَقَعَ بَيْنَ ظَهْرَانِ المُسْلِمِينَ؛ وَقَالَ: إنِّي مِنْكُمْ وَإنِّي أعُوذُ باللهِ أنْ تُرْجِعُونِي إلَى الْكُفَّار.
فَأَرَادَ رجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أنْ يَمْنَعُوهُ، وَنَاشَدَهُمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الْعَهْدَ وَالْمِثَاقَ! فَقَالَ":"خَلُّوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ؛ فَسَيُنَجِّيهِ اللهُ مِنْهُمْ". فَانْطَلَقَ بهِ أبُوهُ، وَكَانَ مَاءُ الْحُدَيْبيَةِ قَدْ قَلَّ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ مَعَ رَسُولِ اللهِ"، فَأُتِيَ بدَلْوٍ مِنَ الْمَاءِ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ"وَتَمَضْمَضَ ثُمَّ مَجَّهُ فِي الدَّلْوِ، ثُمَّ أمَرَهُمْ أنْ يَجْعَلُوهُ فِي الْبئْرِ، فَامْتَلأَتِ الْبئْرُ مَاءً حَتَّى جَعَلُواْ يَغْرِفُونَ مِنْهُ وَهُمْ جُلُوسٌ عَلَى شَفَةِ الْبئْرِ، وَكَانَ هَذا شَأْنُ الْحُدَيْبيَةِ."
ولَبثَ رسولُ اللهِ"شَهرًا وَصَيْفًا فوعَدَهم اللهُ خَيرًا أنْ يفتحَها لَهم، فلَمَّا رجعَ النبيُّ"إلى المدينةِ نزلَ قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا"، والفتحُ الْمُبينُ: ما كان من استعلاءِ المسلمين عليهم حتى غلَبُوهم بالحجارةِ وأدخَلُوهم بيوتَهم، وتيسير الصلحِ أيضًا من الفتحِ المبين وظهور النبيِّ"على خَيبرَ من الفتحِ."