ثم نعتَهم فقال:"الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ"؛ فكبائرُ الإثمِ وهو كلُّ ذنبٍ خُتِمَ بالنار، والفواحشُ، كلُّ ذنبٍ فيه حَدٌّ. قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِلاَّ اللَّمَمَ"؛ هذا استثناءٌ منقطعُ ليس الكبائرَ والفواحشَ.
وقال ابنُ عبَّاس: (أشْبَهُ شَيْءٍ باللَّمَمِ مَا قَالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ":أنَّهُ قَالَ:"إنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى، وَهُوَ الله يُدْركُ ذلِكَ لاَ مَحَالَةَ، فَزِنَى الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ، وَزَنَى اللّسَانِ النُّطْقُ، وَزنَى الشَّفَتَيْنِ التَّقْبيلُ، وَزنَى الْيَدَيْنِ الْبَطْشُ، وَزنَى الرِّجْلَيْنِ الْمَشْيُ، وَالنَّفْسُ تَتَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذلِكَ كُلَّهُ أوْ يُكَذِّبُهُ، فَإنْ تَقَدَّمَ بفَرْجِهِ كَانَ زَانِيًا وَإلاَّ فَهُوَ اللَّمَمُ") ."
وفي هذا دليلٌ أن الأشياءَ إذا وُجدت على التعمُّدِ لم تكن مِن اللَّمَمِ، واللَّمَمُ ما يكون من الفلتات النادرةِ التي لا يملِكُها ابنُ آدمَ من نفسهِ؛ لأنَّ الأُمَّة اجتمعَتْ على أنَّ مُتَعَمِّدَ النظرِ إلى ما لا يحلُّ فاسقٌ.
واللَّمَمُ في اللغة: هو مُقَارَبَةُ الشَّيءِ من غيرِ دُخولٍ فيه، يقالُ: ألَمَّ بالشَّيءِ يَلِمُّ إلْمَامًا إذا قاربَهُ. وعن هذا يقالُ: صغائرُ الذُّنوب كالنَّظرة والقُبلَةِ والغَمزَةِ، وما كان دُون الزِّنى، وقال ابنُ عبَّاسَ:"اللَّمَمُ: النَّظْرَةُ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ وَهُوَ مَغْفُورٌ، فَإنْ أعَادَ النَّظَرَ فَلَيْسَ بلَمَمٍ وَهُوَ الذنْبُ)."