قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى"؛ يعني أبَا جهلٍ يقولُ اللهُ فيه: لَمْ يصدِّقْ بالقرآنِ، ولم يُصَلِّ للهِ،"وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى"؛ أي كذبَ بالقرآنِ وتوَلَّى عن الإيمانِ به، ويدخلُ في هذا كلُّ كافرٍ مثله،"ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى"؛ أي رجعَ إلى أهلهِ بتبَختَرُ في المشي ويختالُ فيه، وأصلهُ: يَتَمَطَّطُ أي يتمَدَّدُ، والْمَطُّ هو الْمَدُّ، وتَمَطَّى الإنسانُ إذا قامَ من منامهِ يَمْتَدُّ، والْمَطِيُّ هو الظهرُ، وتَمَطَّى إذا مَدَّ مَطَاهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى"؛ هذا وعيدٌ عَلى وعيدٍ من الله لأبي جهلٍ، وهذه كلمةٌ موضوعة للتهديدِ والوعيد، والمعنى كأنَّهُ يقولُ لأبي جهلٍ: الويلُ لكَ يومَ تَموتُ، والويلُ لكَ يومَ تُبعَثُ، والويلُ لكَ يومَ تدخلُ النارَ، وَقِيْلَ: المعنى أوْلاَكَ المكروهُ يا أبَا جهلٍ وقَرُبَ منك ما تكرهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى"؛ معناهُ: أيَظُنُّ الكافرُ أن يُترَكَ مُهمَلًا لا يؤمَرُ ولا يُنهَى ولا يُوعَظُ ولا يُتلَى ولا يحاسَبُ بعملهِ في الآخرة، والسُّدَى: الْمُهْمَلُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى"؛ معناهُ: ألَمْ يَكُ هذا الإنسانُ في ابتداءِ خَلقهِ نُطفَةً من مَنِيٍّ تَصَبُّ في الرَّحمِ، ـ قُرئ (تُمْنَى) يعني النطفةَ، ورُوي (يُمْنَى) بمعنى المنِيِّ. قوله:"ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً"؛ ثم صارَ دَمًا مُنعقدًا بعدَ النُّطفة،"فَخَلَقَ فَسَوَّى"؛ فخلَقَهُ وسوَّاهُ باليدينِ والرِّجلين والعينينِ والأُذنين إلى أن بلَّغَهُ هذا الحدَّ الذي شاهد، وخَلَقَ منه الروح.
قولهُ:"فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى"؛ أي خَلَقَ من هذه النطفة أولادًا ذُكورًا وإناثًا. قَوْلُهُ تَعَالَى:"أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى"؛ معناهُ: أليس الَّذي خلقَ الإنسانَ مِن المنِيِّ، ونَقَلَهُ من تلك الأحوالِ إلى هذه الحالةِ قادرٌ على أن يُحييَ الموتَى. والمعنى: مَن قَدَرَ على الابتداءِ، كان على البعثِ أقدرَ بعدَ الموتِ، دلَّهم اللهُ تعالى على البعثِ بابتداء الخلقِ.
وعن رسولِ اللهِ""أنَّهُ كَانَ إذا خَتَمَ هَذِهِ السُّورَة قَالَ:"سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبَلَى"وعن ابنِ عبَّاس رَضيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ: (( إذا قَرَأ أحَدُكُمْ"أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى"فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَلَى ) ).