قال ابنُ إسحاق: فبَعَثُوا معه أبَا رغالٍ يدلُّه على الطريقِ إلى مكَّة، فخرجَ أبرهَةُ ومعه أبو رغَالَ، فهنالِكَ رجَمتِ العربُ قَبْرَهُ، فهو القبرُ الذي يُرجم بالْمَغْمَسِ، فلما نزلَ أبرهةُ بالمغمسِ بعثَ رجلًا من الحبشةِ يقال له: الأسودُ بن مقصودٍ، على خيلٍ له حتى انتهى إلى مكَّة، فسَاقَ إليه أموالَ أهلِ يَمامة من قريشٍ وغيرِهم، وأصابَ فيها مِائتي بعيرٍ لعبدِ المطَّلب بن هاشمِ، وهو يومئذٍ كبيرُ قريش وسيِّدُها، فهَمَّت قريشُ وكِنانَةُ وهُذيل ومَن كان بذلك الحرمِ أن يُقاتِلُوه، ثم عرَفُوا أنه لا طاقةَ لهم به فترَكُوا ذلك.
وبعثَ أبرهةُ حناطةَ الْحِمْيَرِي إلى مكَّة وقال له: سَلْ عن سيِّد هذا البلدِ وشريفِهم، وقل له: إنِّي لم آتِ لحربكم، إنما جئتُ لهدمِ هذا البيتِ، فإن لم تعرُضوا دونَهُ بحربٍ فلا حاجةَ لي بدمائِكم، فإنْ هو لم يُرِدْ حَربي فأتِني به.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ"؛ معناهُ: ألَم يجعل مكرَهم في بُطلان حيث لم ينتَفعوا به.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ"؛ من البحرِ؛"طَيْرًا أَبَابِيلَ"؛ أي كثيرةٍ يتَبعُ بعضُهَا بعضًا، وَقِيْلَ: أقاطيعٌ كالإبلِ الْمُؤَبَّلَةِ، والأبابيلُ: جماعةٌ في تفرقةٍ، زمرةٌ لا واحدَ لها عند أبي عُبيدة والفرَّاء، ويقالُ: واحدُها أبُولٌ كما يقال عَجُولٌ وعجاجيلُ، ويجوز أنْ يكون واحدُها إبيلٌ، كما يقالُ: إكْلِيلٌ وأكَالِيلُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ"؛ أي بحجارةٍ من طين مَطبُوخٍ خالصةٍ، كما يُطبَخُ الآجُر. وَقِيْلَ: السجِّيلُ الشديدُ، كأنه قالَ: من شديدِ عذابه، وعن أبي صالحٍ قال: (( رَأيْتُ فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِئ بنْتِ أبي طَالِبٍ نَحْوًا مِنْ قَفِيزٍ مِنْ تِلْكَ الْحِجَارَةِ سُودٍ مُخَطَّطَةٍ بخُطُوطٍ حُمْرٍ عَلَى قَدْر بَعْرِ الْغَنَمِ، كَأَنَّهَا جزْعُ ظفاري ) ).