فهرس الكتاب
قال ابنُ عباس: (فَلَمَّا نَزَلَتْ هَاتَانِ الآيَتَانِ، كَتَبَ بهِمَا رَسُولُ اللهِ"إلَى عَتَّابٍ، فَقَرَأهُمَا عَلَى ثَقِيْفٍ فَقَالُواْ: بَلَى، نَتُوبُ إلَى اللهِ فَإنَّهُ لإيْذَانٌ لَنَا بحَرْب اللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ طَلَبُواْ رُؤُوسَ أمْوَالِهِمْ مِنْ بَنِي الْمُغِيْرَةِ، فَقَالَتْ بَنُو الْمُغِيْرَةِ: نَحْنُ الْيَوْمَ أهْلُ عُسْرٍ وَأخِّرُونَا إلَى أنْ تُدْرَكَ الثِّمَارُ، فَأَبَواْ أنْ يُؤَخِّرُوهُمْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:"وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ"؛ أي إن كان المطلوبُ ذا ضيقٍ وشدَّةٍ؛ فتأخيرهُ إلى سَعَةٍ ويَسَارٍ."
وروي عن ابنِ عباس وشريحٍ وإبراهيم: (أنَّ الإنْظَارَ إنَّمَا يَجِبُ فِي الدَّيْنِ، يَعْنِي دَيْنَ الرِّبَا خَاصَّةً) . وكان شُرَيْحٌ يحبسُ المعسرَ في غيره من الديون. وعن أبي هريرةَ والحسنِ والضحَّاك: (أنَّ ذلِكَ وَاجِبٌ فِي كُلِّ دَيْنٍ) وهذا هو الأَصحُّ؛ لأنَّ نزولَ الآية في رأسِ مال الربا لا يَمنعُ اعتبارَ سائرِ الديون بها بالاستدلال والقياسِ.
وذهبَ بعض النحويِّينَ: إلى أن الرفعَ في قوله"ذُو عُسْرَةٍ"دليل على أنه ابتداءٌ على معنى: وإن وقعَ ذو عسرةٍ، أو وجد ذو عسرة، ولو كان مختصًّا هذا بالربا لقال: وإنْ كان ذَا عُسْرَةٍ، بالنصب.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ"؛ هذا تحذيرٌ من الله عَزَّ وَجَلَّ أن يوافي العبادُ ذلك اليومَ على غِرَّةٍ وغفلةٍ وتقصيرٍ في أوامر الله ومخالفتهِ فيما أحلَّ الله وحرَّم، يقول: اخْشَوا عذاب يومٍ ترجعون فيه إلى جزاءِ الله.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ"؛ أي توفَّى كلُّ نفسٍ جزاءَ ما عملت من خيرٍ أو شرٍّ،"وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ"أي لا يُنقصُ من حسناتِهم ولا يُزاد في سيئاتِهم.