فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ"؛ معطوفٌ على قوله"وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ" [آل عمران:140] ؛ ومعناهُ: ويُطَهِّرَ الذين آمنُوا من ذنوبهم، يقالُ: مَحَّصْتُ الشَّيْءَ أمْحِّصُهُ مَحْصًا؛ إذا أخْلَصْتُهُ مِنَ الْعَيْب، وَمَحِصَ الجمَلُ يَمْحَصُ مَحْصًا إذا ذهبَ عنهُ الوبَرُ لكَدِّ العملِ فصار أملسَ. قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ"؛ أي يُعَنِّيَهُمْ وَيُهْلِكَهُمْ وَيُنْقِصَهُمْ؛ لأنَّهم يَحْتَرِبُونَ فيخرجُوا للحرب مرَّة أخرى فَيَسْتَأْصِلُهُمْ، وهذا تأويلُ مُدَاوَلَةِ الأيَّامِ.
قوله عَزَّ وَجَلَّ:"أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ"؛ معناهُ: أظننتُم يا معشرَ المؤمنين"أنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ"جِهَادَ الْمُجَاهدينَ ولا صَبْرَ الصابرينَ وَاقِعًا فيهم مُشَاهَدَةً، وهذا استفهامٌ بمعنَى الإنكار لِظَنَِّهِمْ وَحُسْبَانِهِمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ"أي وَلَمْ يعلَمِ اللهُ، يقولُ الرجلُ لِمَا يفعلُ مَعْنَاهُ: لَمْ يَفْعَلْ؛ انضمَّ إليهِ حرفُ (مَا) ، وقرأ الحسنُ (وَيَعْلَمِ الصَّابِرينَ) بالكسرِ عطفًا على قولهِ"وَلَمَّا يَعْلَمِ". وأما قراءةُ النَّصب فهو نصبٌ على الظرفِ؛ يعني على صَرْفِ آخرِ الكلامِ عن أوَّلِه على تقدير: وأن يَعْلَمَ الصابرينَ، وهو قولُ الكوفيِّين. وأمَّا البصريُّون فَيُسَمُّونَهُ نَصْبًا على الجمعِ. قال الشاعرُ: لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُق وَتَأتِى مِثْلَهُ عَارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيْمُأي لا يكن منكَ النَّهْيُ عن خُلُقٍ معَ إتيانِ مثلِه، ويقالُ: لا تأكلِ السَّمكَ وتشربَ اللَّبنَ؛ أي لا يكونُ منكَ الجمعُ بينَهما.