فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ"؛ وذلك: أنَّهُ لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ"وَأصْحَابُهُ إلَى الْمَدِيْنَةِ وَقَدْ أصَابَهُمْ مَا أصَابَهُمْ: قَالَ أنَاسٌ مِنْهُمْ: مِنْ أيْنَ أصَابَنَا هَذا وَقَدْ وَعَدَنَا اللهُ النَّصْرَ؟! فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ"وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ"الذي وعدَ بالنصرِ والظَّفَرِ يومَ أحُدٍ وهو قولهُ:"وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ" [آل عمران:120] الآيةُ."
"وقَوْلُ النَّبيِّ"للرُّمَاةِ:"لاَ تَبْرَحُواْ مِنْ مَكَانِكُمْ"، وَكَانَ"قَدْ جَعَلَ أحُدًا خَلْفَ ظَهْرِهِ وَاسْتَقْبَلَ الْمَدِيْنَةَ، وَأقَامَ الرُّمَاةَ فِيْمَا يَلِي خَيْلَ الْمُشْرِكِيْنَ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَاللهِ بْنَ جُبَيْرٍ الأَنْصَارِيَّ، وَقَالَ لَهُمْ:"احْمُوا ظُهُورَنَا، وَإنْ رَأيْتُمُونَا قَدْ عِشْنَا فَلاَ تُشْرِكُونَا، وَإنْ رَأيْتُمُونَا نُقْتَلُ فَلاَ تَنْصُرُونَا"وأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ وأَخَذُواْ فِي الْقِتالِ، فَجَعَلَ الرُّمَاةُ يَتَرَشَّقُونَ خَيْلَ الْمُشْرِكِيْنَ بالنَّبْلِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَضْرِبُونَهُمْ بالسَّيْفِ؛ حَتَّى وَلَّوْا هَاربيْنَ وانْكَشَفُواْ مَهْزُومِيْنَ، فَذلِكَ قَوْلُهُ"إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ"أي تقتلونَهم قَتْلًا ذريعًا شديدًا في أوَّل الحرب بأمْرِه وعلمِه"حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ"أي إلَى أن فَشِلْتُمْ جعلُوا (حَتَّى) بمعنى (إلَى) فحينئذ لا جوابَ لهُ، وقيل: (حَتَّى) بمعنى: فَلَمَّا، وفي الكلامِ تقديمٌ وتأخير."