فهرس الكتاب
واختلفوا في كم تقطَعُ يدُ السارقِ من المال إذا سرقَهُ، فقال بعضُهم: في عشرةِ دراهمَ فصاعدًا، ولا يقطعُ فيما دون ذلك، وإليه ذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابهُ، وكان سُليمان بن يسار لا يقطعُ الخمسَ إلاَّ في خمسةِ دراهمَ. وقال مالكُ: (يُقْطَعُ فِي ثَلاثَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا) ، وقال الأوزاعيُّ والشافعي: (يُقْطَعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا) .
وقال بعضُهم: يقطع في القليلِ والكثير ولو كان دَانِقًا، وهو قولُ ابنِ عبَّاس. وقال بعضُهم: في درهمٍ.
ولو قطعَ السارقُ ثم عادَ فسرقَ، قُطعت رجلهُ اليُسرَى، فإن سرقَ ثالثًا قال أبو حنيفةَ وأصحابهُ: (لاَ يُقْطَعُ، لِمَا رُويَ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ أتِيَ بسَارقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أتِيَ بهِ مَرَّةً أخْرَى فَقَطَعَ رجْلَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ أتِيَ بهِ ثَالِثَةً فَضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ وَقَالَ: إنِّي أسْتَحِي مِنَ اللهِ أنْ لاَ أدَعَ لَهُ يَدًا يَسْتَنْجِي بهَا وَلاَ رجْلًا يَمْشِي بَها) .
قَوْلُهُ تَعَالَى:"جَزَآءً بِمَا كَسَبَا"؛ أي عقوبةً على ما فعَلاَ، وانتصبَ (جَزَاءً) لأنه مفعولٌ له، كأنه قالَ: فاقطَعُوهما لجزاءِ فعلهِما. قَوْلُهُ تَعَالَى:"نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ"؛ أي عقوبةً وفضيحة من اللهِ. والنَّكَالُ: هو أن يُنَكَّلَ بهِ ليعتبرَ به غيرهُ فَيَنْكَلَ؛ أي لا يفعلَ مثلَ فعلهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"؛ أي منيعٌ بالنِّقمة من السارقِ، ذو حِكمة فيما حكمَ من القطعِ لما في ذلك من زَجْرِ السَّارق عن غيِّهم صيانةً لأموالِ الناس.