فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكم بأنها لا ترجِعُ إلى قائلها حتى يكون الملعون بها غير أهلٍ لها [1] ، وإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد لعن الواشمة والنامصة، ومن أمَّ قومًا وهم له كارهون، ونحوهم من هذه المعاصي المستصغرة بالنظر إلى ما قدمنا ذكر طرق منه من أفعال يزيد، فكيف يقطع أنه [2] لا يستحق اللعنة؟
فإن قيل: إنما أراد صاحب الكلام أنه لا يجوز لعن أحدٍ بعينه من العصاة، وإن جاز لعنه على الإطلاق من غير تعيين.
قلت: هذا لا يصح لوجوهٍ:
الوجه الأول: إن المسألة ظنية خلافية، لا يستحق المخالف فيها [3] التأثيم ولا الإنكار، فضلًا عن التفسيق واللعن، وقد ذكر الإمام النووي في"الأذكار" [4] أن الظاهر جواز ذلك، وقد صدر ذلك عن غير واحدٍ من السلف الصالح، ولو لم يصح فيه إلاَّ ما خرجه البخاري ومسلم [5] عن ابن عمر أنه مرَّ بفتيان مِنْ قريش قد نصبوا طيرًا وهم يرمونه، فقال: لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا، فهذا الصاحب الجليل لعن جماعةًَ معيَّنين من فتيان قريشٍ، أيكون عبد الله بن عمر ملعونًا؟! حاشاه - رضي الله عنه - من ذلك.
ومن ذلك ما رواه البيهقي في"سننه الكبرى"في جماع أبواب الكلام في الصلاة في أول بابٍ منه، من حديث عبد الرحمن بن معقل أنه قال:
وعن ابن عباس عند أبي داود (4908) ، والترمذي (1978) ، والطبراني في"الكبير" (12757) ، وصححه ابن حبان (5745) .
(1) "لها"ساقطة من (ش) .
(2) في (د) : بأنه.
(3) "فيها"ساقطة من (ش) .
(4) ص 500.
(5) البخاري (5515) ، ومسلم (1958) . وأخرجه أيضًا أحمد 1/ 338 و 2/ 43، والنسائي 7/ 238، والحاكم 4/ 234.