الحمد لله رب العالمين . ربِّ إياك نعبد ، وإياك نستعين ، و عليك نتوكل ، وإليك نسعى ونَفِرّ . وصلى الله وسلّم على النبيّ العربيّ الأميّ محمدٍ ، وآله ، وصحبه ، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين .
أما بعد:
فإن علوم العربية كلها انبثقت مرتبطة بالقرآن الكريم ، دائرة في فلكه .
وكان المصنفون في علوم العربية يجتهدون في ربط ما يَرْقُمُون بكلام الله ؛ احتجاجًا لكلامهم ، وتقويةً لعلومهم ؛ يحرصون على ذلك أكمل الحرص ، وأجمله .
وهم مع ذلك لا يفوّتون الفرصة في تجلية معنى ما يوردون من آيات ، أو بيان ما يحتاج إلى بيان ، مما يعين على فهم مراد الله ؛ إن رأوا في ذلك مصلحة .
وإذا ما قَلَّبْتَ نظرك في صَنعة أحدهم ، ألفيت فيها آيات مفسرة ، وغوامض مفردات مُظهَرة ، ولو قُدّر لك إحصاؤها لخرجت بمؤلَّف مستقل في هذا الشأن .
وقد كانت لي قراءات متعددة في كتب العربية ، اطلعت في أثنائها على مصنفات متنوعة المحتوى ؛ بتنوع فنونها ، متفاوتة القيمة ؛ بتفاوت مؤلفيها .
وحين كنت في طور التفتيش عن موضوع يكون مجال بحث ؛ أستكمل به متطلبات الدراسة المنهجية لمرحلة الماجستير في القرآن وعلومه ؛ كانت الهمة مصوّبة نحو علوم العربية وعلمائها ، وقُدِّر لي أن أنتخب من أفواج علمائها ، عَلَمًا له في تفسير كلام الله أقوال متكاثرة ، وله من تفسير كلام الله مواقف ظاهرة ؛ حريٌّ أن يُبرَز شخصه في هذا الفن فتُجمع أقواله فيه ؛ فتُدْرَس ؛ ذلكم هو: أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي ؛ أحد علماء القرنين الثالث و الرابع الهجريين ؛ المتوفى سنة 321 هـ .
طالعت في مؤلفاته ؛ فألفيته قد نثر فيها عددًا غير قليل من الأقوال التفسيرية وجعل فيها من الآراء ما انفرد عن غيره به .
وقد أحصيت أقواله في التفسير ؛ فإذا الذي قاله من قِبَل نفسه يربو على ثلاثمائة قول ، أما التي نقلها عن غيره فَضِعْفَا ما قاله بنفسه .