4.نتيجةَ قتْل ابنِ المتوكل أباه ، والتولي من بعده بإيعاز من الأتراك ؛ ازداد تفكك الدولة بالانقسامات ، وتصدَّع بناؤها ؛ فثارت حمص سنة 240 هـ ، و أسس الصفارون دولة لهم سنة 254 إلى 290 هـ ، واستولت السلمانية على فارس وما وراء النهر سنة 241 إلى 389 هـ ، ثم حصلت ثورة الزنج الذين خرجوا في ولاية المعتمد على الله ، فاحتلوا ميناء الأبلّة التجاري المزدهر ، وسيطروا على بقاع واسعة جنوب العراق ، وجنوب غربي فارس ، واشتد ضغطهم على البصرة حتى دخلوها فخربوا وأَحرَقوا ، وبذلوا السيف فقتلوا الكثير من العلماء منهم أستاذا ابن دريد: أبو الفضل الرياشي ، وأبو عثمان الأشنانداني ؛ مما حمل ابن دريد على اللجوء إلى عُمان والإقامة بها اثنتي عشرة سنة .
المبحث الثاني: الحالة الاجتماعيّة
غير خفيّ أن الحالة الاجتماعية تسير مع الحالة السياسية حيث سارت ، فحيث استقرت الحالة السياسية ؛ تستقر الحالة الاجتماعية ، وحيث اضطربت تلك ؛ تضطرب هذه .
وقد رأينا كيف كانت الحالة السياسية بعد المتوكل ، وانتهاءَ الأمور إلى أيدي الأتراك الذين كانوا ينصّبون ويعزلون على وفق ما يرتضون ؛ وكان لهذا تأثير في الحالة الاجتماعية ، فعدم استقرار السلطة ؛ أدى إلى فقدان الأمن ، وانتشار الخوف والقلق ، ناهيك بما كان يصنعه الأتراك من استهانة بحياة الناس ، وأرواحهم ، وأموالهم حتى كانوا يتولون مُصادرتها ، وصار من المصائب عند الرجل أن يكون غنيًا !
ومن ناحية أخرى وقع الغلاء في المجتمع ، واشتدت حاجة الناس وفقرهم وعوزهم مما حمل كثيرًا من العلماء والعامة - ممن لا صلة لهم بالسُّلطة - على الرحيل عن بلده إلى غيرها طلبًا للرزق ، كما باع بعضهم كتبه ؛ للحصول على ما يقتات به !