لطلب الأمان فدخلوها وهجرها قسم من أهلها وبقي آخرون ففرضوا عليهم الأموال حتى أفقروهم واستغرقوا أموالهم فأخذوا يهاجرون من مدينتهم.
وامتد الصليبيون من الجانب الآخر فملكوا حصن (الأثارب) بالقرب من مدينة حلب وقتلوا من أهله ألفي رجل وسبوا وأسروا الباقين. ومنه مضوا إلى حصن (زردنا) ففتحوه وفعلوا بأهله مثل الأثارب.
فلما سمع أهل منبج بذلك فارقوها خوفا منهم وكذلك أهل بالس. وقصد الإفرنج البلدين فرأوهما وليس بهما أنيس فعادوا عنهما. ودب الذعر في بلاد الشام كلها.
يقول ابن الأثير:(فعظم خوف المسلمين منهم وبلغت القلوب الحناجر، وأيقنوا باستيلاء الإفرنج على سائر الشام لعدم الحامي له والمانع عنه، فشرع أصحاب البلاد الإسلامية بالشام في الهدنة معهم فامتنع الإفرنج من الإجابة إلا على قطيعة يأخذونها إلى مدة يسيرة.
فصالحهم الملك رضوان صاحب حلب على اثنين وثلاثين ألف دينار وغيرها من الخيول والثياب، وصالحهم صاحب صور على سبعة آلاف دينار، وصالحهم علي الكردي صاحب حماة على ألفي دينار).
فلما بلغ الأمر إلى هذا الحد لم يعد الشعب يحتمل ما صار إليه من الهوان ومن توقع الشر الأكبر. فقرر جماعة من أهل حلب وهي المدينة التي وصل الإفرنج إلى حصن الأثارب الذي لا يبعد عنها إلا ثلاثة فراسخ قرر جماعة من أهل حلب الذهاب إلى بغداد حيث السلطان السلجوقي والخليفة لإثارة القضية والاستنجاد بالمصدر الأساسي للقوة، فلما وصلوا كان أول من تعاطف معهم خلق كثير من الفقهاء، وغيرهم من طبقات الشعب، فكان أن سارت يوم الجمعة مظاهرة كبرى إلى جامع السلطان واستغاثوا ومنعوا من الصلاة وكسروا المنبر.