ويكون لقلبه بردًا وسلامًا، ولمعدته ريًّا وشبعًا، ولروحه حياة، وينظر بعين الحب إلى قريته، ويعرضها كلها بطرقها وبيوتها وبساتينها، وهذه المعابر التي سلكها مرات لا يحصيها عد، ويرى داره ويبصر كل حجر فيها وكل زاوية منها. . . ثم ينظر إلى هذه الصحراء المترامية من حوله فإذا بها قد ابتلعت هذا الحب وجففته، وحياة الحب حياة قصيرة المدى. . . وإذا به يحس بالألم ويشم من حوله رائحة الموت ويرى نفسه نبتة اجتثت من الأرض وقطعت جذورها، ثم ألقيت على هذه الرمال التي يشوى عليها اللحم لتجف وتعود حطبة يابسة، بعد إذ هي غصن مورق فينان، ويخيل إليه أنه فقد حياته كلها حين فقد بلده وأهله وسعادته، فيلقي نظره على هذه الجبال التي خلفها بعد يومين فإذا هي بعيدة، بعيدة جدًا تبدو له من خلال السراب اللامع كأنها صورة الأمل المنير لا تكاد تظهر. . . فيسترجع نظرته اليائسة مغسولة بدموع الندم، ويوغل في جحيم الصحراء تائهًا يائسًا يمشي إلى. . . الموت!
حتى إذا أطفلت الشمس، ثم ضعفت وشحب لونها، ثم أسلمت الروح، فلبس الكون كله ثوب الحداد، ثم برد الرمل واستحال إلى فراش لين جميل، ولاحت في السماء النجوم واضحة قوية. . . شعر المعلم الشاب بالراحة، فاستلقى على قفاه يتنفس الصعداء من هول هذا اليوم. . . ويتأمل النجوم. . . ويبصر امتداد الأرض والسماء من حوله، فيعجب من جمال الصحراء وبهائها، وينتشي بنسيمها الرخي الناعش، وسكونها الشامل، وجلالها المهيب، ولا يستطيع أن يتصور كيف كان هذا العالم الجميل الفتان، يموج قبل ساعات بأشباح الموت، وتهاويل العذاب!
ورجع الليل إلى الفتى المعلم حماسته ونشاطه، وأترع نفسه قوة وحياة، فرأى أمله الذي بخرته شمس الضحا قد عاد رطبًا نديًا، فجلس وحيدًا بين هذه المخلوقات العظيمة: النجوم والسماء، والليل والصحراء، يناجي أمانيه، ويرسم طريقه إليها. . . وكان الليل ساكنًا هذا السكون العميق، الذي لا تعرفه المدن، ولا تدريه القرى، ولا يقدر عليه البحر، وإنما تعرفه الصحراء العظيمة بصمتها وضجيجها، وقسوتها ولينها، فراقه هذا السكون، وملك عليه لبه، فأصغى إليه إصغاءً شديدًا، فكان يسمع فيه نشيدًا سرمديًا متصلًا، له من الروعة في القلب، والأثر في النفس، ما لا يكون لهذه الموسيقى المتكلمة الهزيلة، الصاخبة الضاوية، التي