أوانها.
ذلك بأن أهل أوربا في عصور الظلام عاشوا مدفونين في وديانهم التي نشأتهم ولم يروا مما ورائها شيئًا. قال حراث من أهل ذلك العصر انحدرت إلينا كلماته: (إذا تنفس الصبح خرجت توًا أقود الثيران إلى الحقل، ثم أضعها في المحراث، لأن واجبي أن أحرث كل يوم حقلًا، وإلى جانبي ولد لي أبحَّ صوته البرد والصياح. فإذا فرغت من عملي ذاك ملأت المذاود بالدريس وسقيت النَّعَم ثم أخرجت الرَّوث. يا الله! إن هذا العمل المرهق شاق، ولكني لست حرًا) .
وكثيرًا ما كان القحط يحط عليهم. فأيام ممطرة حين البذار، أو فساد في المحصول، أو سوس ينخر القمح، أو جفاف أو حرب، كل سبب من أولئك كان كافيًا وحده أن ينشر الجوع والبلاء
قيل: (كان الطباشير يطلب من الأرض ويمزج بالدقيق ليصنع خبزا. لقد اصفرت وجوههم وانحطت قواهم، حتى لقد عجزوا عن أن يجروا أنفسهم من فوق الأرض جرًا. وهيئت حفر ليسحب إليها المحتفرون ويلقون في جوفها. وكانت هذه المصائب تلابسها مصائب أكبر وكوارث أعظم. فإن الذئاب وقد أنسوا على جوانب الطريق كثيرًا من الجثث، ملكتهم الشجاعة وأغواهم ضعف الناس، فراحوا يهاجمون الأحياء. أما مواد الطعام فقد خص بها الأقوياء ليظلوا قادرين على العمل، لعل الحقول تزرع ولا تبور)
وقيل: (رئى رجل في سوق(تونير) حاملًا لحمًا مطبوخًا ليبيعه في سوق المدينة. فلما سئل فيه ادعى أنه لحم حيوان. ولكن ذلك لم ينجه فسيق إلى السؤال، وهنالك لم ينكر جريمته فأحرق حيًا. أما اللحم البشري الذي أتى به الرجل فقد دفن باسم العدل والقانون. غير أن رجلًا غيره نبش ذلك اللحم وأكل منه، فكان جزاؤه الموت إحراقًا)
وفي مثل تلك الفترات كان الطاعون من بلايا الأحياء. فإنهم كانوا يزحمون الأكواخ والدساكر، حتى إن أسرًا برمتها كثيرًا ما كانت تذهب فريسة ذلك المرض، فيتركها الباقون ويهجرون المنازل والربوع فزعًا من الموت وفرارًا من البلاء. وكان المرضى يحملون إلى الكنائس ابتغاء الشفاء، فتنتشر العدوى في أولئك الذين أتوا ليؤدوا فريضة الصلاة عبادة خالصة لوجه الله.