والواقع أيضًا أن الحبوبي الشاعر أضاعته الحياة الفقهية، وهي حياة لا يرتفع معها شعر ولا خيال، وإن كانت في ذاتها من أجمل الحيوات، وهل تعز الشاعرية على من يسعفه الروح بمثل هذا الهتاف
إسقني كأسًا وخذ كأسًا إليك ... فلذيذ العيش أن نشتركا
وإذا جدت بها من شفتيك ... فاسقنيها وخذ الأولى لكا
أو فحسبي خمرة من ناظريك ... أذهبت نسكي وأضحت منسكا
وانهب الوقت ودع ما سلفا ... واغتنم صفوك قبل الرَّنق
إن صفا العيش فما كان صفا ... أو تلاقينا فقد لا نلتقي
وقد فتن الشاعر بهذا المعنى فأعاده بأسلوب آخر حين قال:
يا غزال الكرخ وأوجدي عليك ... كاد سرى فيك أن ينهتكا
هذه الصهباء والكأس من لديك ... وغرامي في هواك احتنكا
فاسقني كأسًا وخذ كأسًا إليك ... فلذيذ العيش أن نشتركا
أترع الأقداح راحًا قُرْقفا ... واسقني واشرب أو اشرب واسقني
فلماك العذاب أحلى مرشفًا ... من دم الكرم وماء المُزن
إن الشاعرية لا تعز على من يسعفه الروح بمثل هذا الهتاف ولا تعظم على من يزور دارًا في بغداد فيروعه ما عند أهلها من صباحة الوجوه وطهارة القلوب فيقول:
فلست أدري أَأُملي فيهم غزلًا ... لما رأيتهُم أو أُنشئ المِدَحا
إن الفقه هو الذي وأد الشاعرية في صدر من كان يجيد مثل هذا النشيد:
رويدًا سائق النوق ... فما ودعتُ معشوقي
فبالأحداج لي رشأٌ ... رمى سهمًا بلا فُوق
يسهم اللحظ يرشقني ... وقلبي جِدَّ مرشوق
كأن القلب يوم سرى ... هوى من فوق عيِّوق
فليت العيس ما رحلت ... ولا قامت على سوق
فقد خفَّت بمنبلجٍ ... من اللألاء مخلوق
والبيت الأخير من وثبات الخيال