لقد وقفت في ساعات الضحى أتأمل هذا الفضاء الواسع فاجتمع عليَّ الألق والشعاع والنسيم. . . كانت الأضواء الراقصة تداعب جفنيَّ، وتريدهما على الإغماضة الخفيفة في ظلال الرؤى والمباهج. . . وكانت النسمات الرخية تعبث بشعوري فتمر عليها باليد الناعمة واللمسة الخفيفة. . . وكان الألق الفضي ينسكب فوق كل شيء، فإذا الدنيا تموج في بريقه المتقد، وتتلألأ في سناه الوضاء.
لم يعد يشوقني إلا أن أنظر إلى بعيد. أشهد الصحراء العارية على شاطئ الأفق. لقد تجردت من كل شيء: من البناء المرتفع والعشب النامي، والشجر المخضل. . . وأوغلت في البعد. . . وذهبت تغتسل في خضم واسع من الزرقة الخفيفة. . . لقد غابت فيه فلم يعد يظهر منها إلا هذه الذيول التي ألقت بها على الشاطئ تتلقى الشعاعات المترهجة، وتكتسي السراب الخادع. . . ثم ظهرت من جديد. . . فإذا الشمس تفيض عليها حلة من نورها الخاطف وألقها الوضاء. . . وإذا هي تبدو صافية نقية ناعمة، طهرتها السماء، وكساها النور، وفاض منها الجلال.
يا لروعة الصحراء!. . . إن رمالها المتراصة لتغني على مسمع الزمن أنشودة رائعة من أناشيد القوة والمجد، وإنها لتوقع لحنًا بارعًا من ألحان الكرامة والنبل، وإنها لتكتب صفحات بارزات (في كتاب) الصفاء والطهر. . . فمتى نخلص إلى هذه الصحراء لننجو من غدر المدنية؛ وأثقال الحضارة، وأوضار المجتمع. . .؟ ومتى نعيش على هذه الرمال نستمع إلى حدائها، ونصغي إلى غنائها، وننعم بصفائها الطهور؟؟
أخذت أطوف مع الظهيرة في أطراف الضاحية. . . لا أخشى لفحات الشمس، لأن النسائم اللطاف كانت تذهب بشدتها وتحيلها ضوءًا ناعمًا، ولونًا زاهيًا، ونورًا حلوًا. . . ومضيت في جنباتها المتباعدة؛ ووقفت أمام هذه الدارات المنثورة على أكناف الطرق أشهد بساطتها المحببة. . . كان أروع ما فيها هذه الحدائق القائمة على كتف الصحراء، وهذا الياسمين المنتثر على الرمال الصفراء، وتلك الأزاهير الفواحة في الأرض الجدباء. . . لقد ضمت