فأُديم ذلك خوف إظهار الجوى ... وأشوبه بتنفس الصُّعَداء
وهو معنى لطيف، فهو يستر بدخان التبغ دخان القلب، حتى لا يفتضح بين الرقباء.
وقد يداوي نارًا بنار، كأن يقول:
عكفت على شرب الخان وفي الحشا ... لهيب جوىً فازددت جمرًا على جمر
وقلت أداوي نار قلبي بمثلها ... (كما يتداوى شارب الخمر بالخمر)
وكان التدخين في تلك الأيام مما يعاب؛ فقد كان مفهومًا عند أهل مصر أنه من أهواء العبيد. ولهذا شواهد قد نرجع إلى سردها بعد حين!
8 -أين شاعرية ابن النحاس بعد الحائية والعينية؟ أين؟ أين؟
لم يرضني شعر ابن النحاس من الوجهة الفنية، ولكني مع ذلك أجده شاعرًا في جميع معانيه، وإن كان أكثرها منقولًا عن الشعراء القدماء؛ فهو في رأيي يعني ما يقول، وإن ضعُف عن مقارعة الفحول.
تلك ومضة من الشاعرية تألقت حينًا ثم خَبَتْ، كما تألق جمال صاحبها لحظة ثم خبا، وقد حقت في هذا الشاعر كلمته في مصيره فأصبح تاريخًا من التواريخ، وهل من القليل أن يمسي الرجل وله تاريخ؟!
9 -على أن من الظلم أن نحكم بأن ابن النحاس لم يجد في غير الحائية والعينية، وكيف وهو صاحب هذا القصيد:
عطف الغصنُ الرطيبُ ... وتلافانا الحبيب
أضمر الدهر لنا الصُّل ... ح فلم يبق غُضوب
زار والعرَف له من ... نفسَ الصبح هبوب
يظهِر البث وأولى ... منه بالبث الكئيبُ
كل عضوٍ منه في الحس ... ن عن الوجه ينوب
أيَّ عضو تسرح الألحا ... ظ فيه وتؤوب
أنا والقلبُ إذا لا ... حَ سليبٌ وكسيبُ
بأبي جَنة وصلٍ ... منه ما فيها لغوب
بات يدعوني بها طو ... رًا وطورًا يستجيب