قالت هذا فتاة في العشرين، لها لون القمح قبيل الحصاد، ورقة زهر القطن في الصباح الباكر، ورشاقة عود الذرة الناضج، وعذوبة ظل التوت في اليوم القائظ. . . ترتدي ملابس الركوب وتمتطي خيرة خيول القرية، وعلى رأسها قبعة واسعة تخفي قليلًا تاجًا ثمينًا من الشعر الفاحم. تتأمل في إشفاق زمرة من الشباب والنساء والأطفال ينقون لطع دودة القطن في ركن قريب من أركان الحقل المترامي
كان يبدو عليها أنها ترى الحقل لأول مرة، لأنها ذعرت وهمت أن تناديهم بأن يكفوا عند ما سمعت بكاء خافتًا مجهدًا لرضيع بالقرب منها في ظل مظلة من العشب كان في قفص من سعف النخيل مفروش بالقش يحرك يديه وساقيه في عصبية ويبكي.
اندفعت من فوق جوادها في جزع وقفزت في لهفة القناة التي كانت تفصلها عنه تدفعها في ثورة وجموح أسمى عواطف البشر
كان إنسانًا ضئيلًا، باهتًا ضامرًا، محتقنًا في لون الأرض، تفوح من ملابسه الممزقة القذرة رائحة كريهة عفنة، وتغطي الأوساخ وجهه وشعره وأطرافه. وكان يبدو أنه بكى كثيرًا حتى أنهكه البكاء
انحنت على الفراش في حنو بالغ كأم وحملته بين ساعديها ونفسها تذوب رفقًا وشفقة
همت بالغريزة أن تعطيه ثديها ولكنها تذكرت فانحنت عليه وقبلته.
ورأتها الأم فأسرعت خوفًا من أن يكون في وجوده ما يؤذي. وحارت الدموع في عينيها وهي تعدو توجسًا من وقوع هم جديد. ولكن نظرة الفتاة الوديعة، ونومة الطفل الهادئة بين أحضانها رفعت قليلًا كابوس الشر الجاثم على صدرها
فاقتربت متهملة وقالت وهي تنحني مادة ذراعًا تأخذ بها الطفل والأخرى على ثديها محاولة في جهد أن تبتسم:
-العفو يا سيدتي! لسنا في هذا المقام
وتنبهت الفتاة إلى الأم وما هي عليه من إعياء فقاطعتها وهي تحتضنه وتبعده عكس اتجاهها:
-لا. لا. . . دعيه لي الآن. . . اجلسي. استريحي. لا ترضعيه. اتركيه لي. . . إن لبنك الآن في تسمم