فقاطعتها القروية في سذاجة وشفتاها الجافتان تنفرجان عن شبح ابتسامة تائهة:
-إنها طفلة. و. . . صمتت عند ما رأت صورة الهلع التي ارتسمت على وجه الفتاة وهي تعاود بسرعة النظر إلى الوجه الصغير الغارق في الأقذار والدموع
-آه. طفلة!. . . ما أقسى هذا؟ أهكذا تربي الأمهات؟ واستطردت هامسة وهي تمسح على جبين الطفلة بمنديلها الصغير وتزداد بها تعلقًا والتصاقًا:
لماذا أحضرتِها في هذا المكان؟ إنه يقتل فيها الإحساس بالعطف الأموي. إنه يصرع أنوثتها ويحولها إلى خانقة أطفال. ثم رفعت رأسها وسألتها في إشفاق وتأنيب:
-لماذا لم تتركيها في المنزل وتظلي في رعايتها؟
فأجابت القروية المشدوهة:
-كيف! والخبز يا سيدتي؟
-وزوجك؟ أليس لك زوج؟
-ولكن أجره لا يكفينا
فقالت الفتاة في حيرة:
-لكن. . .! يجب أن تفعلي شيئًا. . . أي شيء. . . ليكن مثلًا. . . كم يبلغ إيرادك؟
فخفضت المرأة رأسها في حزن. . . أحست بمزيج عجيب من السرور والألم يضطرب في قلبها القاتم، فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي تسمع فيها حديثًا يتعلق بحياتها إذا كان لها حياة بالمعنى المفهوم. . . واستيقظت أفكارها الراقدة المظلمة الراسبة في قرارها الحزين. . . وأخذت تصف للفتاة آلامها في نبرة خافتة محرومة من كل صفات الأنوثة والحيوية
أخبرتها أن القرية فئتان: عمال. . . وملاك. وأنها من الفئة الأولى التي تحيا تحت أقدام الأبقار وأطفالها يموتون جوعًا، وأن أجر زوجها يتراوح بين القرشين والثلاثة يوميًا، وأنه يعمل ثلثي العام فقط ويقضي الباقي متعطلًا، وأن لها عدا الرضيعة طفلة في الخامسة ذهب الصديد ببصرها، وطفلًا في السابعة مريضًا لا يكف عنه المرض؛ استعرض في عمره الصغير آلام عدة أمراض لا يزال يعاني الآن بعضها؛ ومات لها عدا ذلك ثلاثة أطفال. ولد الأول ميتًا، وقضى الآخران في سن الرضاع. . . وقصت عليها بعض ما تعانيه في سبيل