التوفيق بين مطالب هذه الأسرة الكبيرة القابلة للتضخم وبين الأجر الذي تناله مقابل المجهود المزدوج. . . هذا عدا ما يصيبها من ألوان القسوة وضروب المعاملة السيئة من زوجها. إنها تدرك السبب. وتعرف أنه يثأر لشقائه منها. كما تفرج هي عن نفسها أحيانًا بالدموع وأخرى بضرب أولادها. إن حياتها سلسلة طويلة ثقيلة شقية متشابهة الحلقات؛ وإن الرضيعة في قفصها المنكود أسعد حالًا منها؛ فأمامها وقت تستطيع أن تموت فيه طفلة. ثم غلبها التأثر فقالت والدموع تنهمر من مآقيها:
-ما أشد قسوة العيش يا سيدتي! على الأقل بالنسبة إلينا نحن الأمهات العاملات
أنصتت الفتاة إليها في ذهول وصمت. وعندما فاضت عينا القروية بالدموع أحست بجرح ساخن عميق يصيب كرامتها كامرأة. . . وكالنائمة. . . - وأوضاع الحياة تتمرغ أمام عينيها - نفحتها في خجل كل ما معها وعادت تسير بجوادها خببًا وكل ما حولها يتقلب ويلف في رأسها ويدور
وروعت القروية. كان مبلغًا جسيمًا جدًا باعتباره منحة؛ وأخذت تحدق في الفضة التي تغمر قبضتها في بلاهة وشك حتى أنها لم تجب زميلاتها في التو عندما سألنها في فضول وهن يمددن أعناقهم من بين الشجيرات. بل كشفت عن رأسها وصدرها في انفعال وعصبية ورفعت يديها ووجهها إلى السماء، وفي صوت حار متهدج يمتزج بعبارات تنبعث من مكان عميق في قلبها، عبرات لم تسقط من عينيها من قبل، أخذت تدعو للفتاة بطول العمر والستر وبلوغ المآرب وكل ما يملأ قلبها من أماني الخير
وسرى خبر المنحة في أنحاء الحقل سريان روح الربيع في العود الجاف، فأفاق من جموده قليلًا قليلًا، ونهض ينشد الابتسام في هذا النسيم الرقيق المليء بالحنان والعطف، ويصغي في شغف إلى موسيقى الحادث فتطربه، ويلعب كل على هذا الوتر الرقيق الرفيق ما في أمانيه وأحلامه من ألحان قصصية فطرية أضافت إلى الحقيقة سطورًا شعرية فاتنة
وحار سؤال على الأفواه: من تكون هذه المحسنة الصغيرة الجميلة؟
ولم تدم الحيرة طويلًا بفضل (معوّض الجمال) ، وكان يتنقل بين الحقل والقرية ينقل محصول القمح إلى الجرن
أخبرهم وهو يتعالى على ظهر ناقته الضامرة أنها ابنة صديق لحامد بك مثري القرية