ولم يعن بالأدب عناية خاصة، ولم يقف عليه شيئا يذكر من كتبه ورسائله.
وأغلب الظن أنه لم يكتب في الخطابة والشعر إلا محاكاة لأرسطو وسيرا على سننه، وهو في هذا أقرب إلى التشريع والتقنين منه إلى النقد والتحليل، يعرض القاعدة والنظرية دون أن يقف عند الأمثلة والنماذج الأدبية. وما الخطابة والشعر في رأيه إلا بابان من أبواب الجدل والمنطق، أو بعبارة أخرى فرعان من فروع الفلسفة.
* * * ولابن سينا كتابان هامان في الخطابة، يصدران عن أصل واحد، ويكوّنان جزءا من المنطق، ويلتقيان فيما اشتملا عليه من آراء ونظريات، أحدهما مختصر والآخر مبسوط.
والأول في معانى كتاب ريطوريقا، وهو قسم من الحكمة العروضية، أو كتاب المجموع الذى ألفه في بخارى، ولما يجاوز الحادية والعشرين، بناء على طلب أبى الحسن العروضى. ويقوم على تعريف الخطابة، وبيان منفعتها، وصلتها بالجدل، وأغراض الخطيب، ووسائل الاستدلال، ويعرض في اختصار المبادئ الأساسية للفن الخطابى [1] . وكل ذلك في أسلوب واضح امتزج فيه الجدل بالسياسة، والمنطق بالأخلاق وعلم النفس، وهو بهذا يعتبر ملخصا دقيقا للكتاب الأول من خطابة أرسطو، ومقدمة صالحة لفن البلاغة عند ابن سينا.
والثانى الخطابة موضوع تحقيقنا وهو الفن الثامن من فنون المنطق التى تكوّن الجملة الأولى من جمل الشفاء [2] . ويشتمل على أربع
(1) ابن سينا، كتاب المجموع، القاهرة 1950، ص 7615.
(2) ابن سينا، المدخل، القاهرة 1952، ص 44.