يبين فساد الأقيسة التى تعتمد على مقدمات مشهورة وليست يقينية. ونحن نعلم أن أرسطو قسم الاستدلال أربعة أنواع: البرهانى، والجدلى، والامتحانى، والمشاغبى. ولكن الجدلى والامتحانى لا يخصان أى علم معين، بل ينطبقان على كل شئ، لأن جميع الصناعات تستخدم مبادئ مشتركة.
ومن ثم كان جميع الناس، حتى العامة والجهال، يستخدمون هذين الضربين من الاستدلال الجدلى والامتحانى، وهم يستخدمون تبعا لذلك التبكيت [1] .
وهذا هو السر الحقيقى في إلحاق كتاب السفسطة بكتاب الجدل. وكان هذا العمل من أرسطو رد فعل على السوفسطائيين الذين أفسدوا بالخطابة عقول اليونانيين، وأدى منهجهم العقلى إلى اعتقاد آراء فاسدة في الأخلاق والسياسة.
ولم تكن هذه الظروف الاجتماعية موجودة في زمان ابن سينا، فقد انقضى عهد السوفسطائيين من قديم، وانتقلت الفلسفة من الحوار الشعبى في الأروقة والملاعب والبساتين، وانحصرت في داخل جدران المدارس، وأصبحت صناعة فئة خاصة تتدارس في الكتب. إنها الفلسفة المدرسية التى تعتمد على احتذاء كتب أرسطو بوجه خاص وتتعقبها بالشرح والترتيب لغرض التعليم والتلقين. وفى هذا الجو الجديد ينبغى أن نفهم كتاب السفسطة لابن سينا، فيتسنى لنا أن نفهم ما ذكره من قبل من أنه نظر في وجوه الأغاليط، وجمعها وجردها عن المواد صناعة كلية. وبذلك أصبحت السفسطة بابا من أبواب المنطق في جملته، لا مجرد ملحق للجدل.
وابن سينا هو فيما نعرف أول مناطقة العرب الذين وضعوا السفسطة هذا الموضع من المنطق، ثم جرى العرف على ذلك إن في الشرق أو الغرب حتى الآن.
(1) السفسطة لأرسطو 172ا، 4020وما بعدها