ولما كان جو كتاب أرسطو مشبعا بالرد على السوفسطائيين، وكانت طريقة السوفسطائيين هى الخطابة والمحاورة، فإن معظم الأمثلة التى يضربها أرسطو تلائم هذا الجو، نعنى جو الحوار بين شخصين، فإذا سلم المجيب بما يضعه السائل من مقدمات، فقد وجب أن يسلم بالنتيجة التى تفضى إليها هذه المقدمات.
ولم يكن في زمان ابن سينا سوفسطائيون، ولذلك لم تكن هناك حاجة إلى هذا النوع من التأليف. ومع ذلك فقد ظهرت في الإسلام جماعة أخرى يختلف أصحابها عن السفسطائيين من جهة أغراضهم ومنهجهم، ولكنهم يفترقون وإياهم في التميز عن الفلاسفة. وهؤلاء هم المتكلمون في الإسلام، واللاهوتيون في المسيحية. وقد صرح ابن سينا في خلال كتابه بأن: «هذا هو الرسم في زماننا هذا عند المشاغبة الذين يسمون متكلمين» [1] . وذلك عند الكلام عما يفعله السائل المغالط من غلط في الكلام حتى تخفى النتيجة.
وهذا هو الموضع الوحيد الذى تعرض فيه الشيخ للمتكلمين بالطعن، وسماهم مشاغبة.
ثم إن أرسطو كان يعارض بكتابه جماعة أخرى خلاف السوفسطائيين، هم أصحاب الجدل بمعنى الكلمة، ونعنى بهم الإيليين، وأبرز ممتليهم زينون الذى حيرت حججه فلاسفة زمانه، وهى حجج مشهورة معروفة في امتناع الحركة والكثرة، والاعتماد على فكرة انقسام المكان والزمان إلى ما لا نهاية له وكان لا بد أن تدحض هذه الحجج بالمنطق، وأن يبين فسادها ببيان المغالطات في القياس. وهذا ما فعله أرسطو، وضرب المثل فعلا بزينون في أكثر من موضع. وهذا هو السبب الذى من أجله ألحق كتاب السفسطة بالجدل، لأنه
(1) السفسطة، ص 75