وكلما جاء موضع لم ينص فيه أرسطو على صاحب الرأى، نسبه ابن سينا إلى أفلاطون. كما يقول: «وقد حكى المعلم الأول أن بعض الناس وأظنه يعنى المدعى له أنه معلمه حل ذلك بأن قال: فرق بين قولنا يفعل بحسب ما يمكنه، وقولنا: إنه يفعل لا محالة بحسب ما يمكنه شيئا» [1] . وابن سينا مخطئ في ظنه أن أفلاطون هو صاحب الحل، لأن كتاب السفسطة لأرسطو من تآليفه المتأخرة التى كتبها كما ذكرنا بعد اكتشافه القياس، وبعد موت أفلاطون، ولم تكن هذه المسائل المنطقية مما تناولها البحث في الأكاديمية.
وفرق ثالث بين الكتابين أن أرسطو كان قريب عهد بالسوفسطائيين، ومن المأثور أنه كان يلقى وهو يطلب العلم في الأكاديمية دروسا في الخطابة يعارض بها مدرسة إيسقراط وأغراضه ومنهجه، وكان إيسقراط قد ورث الغرض والطريقة عن شيوخه من أمثال جورجياس وبروتاجوراس. فالكتاب إحصاء جامع لتمويه السوفسطائيون وخدعهم، والطعن على طريقتهم في التعليم، أولئك السوفسطائيين الذين كانوا يتناولون الأجر على التعليم، ويدربون تلاميذهم على المشاغبة والمماراة، ويلقنوهم نماذج محفوظة يزهون بها على الخصوم، مما هو شبيه بفن جورجياس [2] . ومن أجل ذلك قسم أرسطو المغالطات قسمين: لفظية ومعنوية، وكانت المغالطات الناشئة عن استعمال الألفاظ المشتركة من أعظم ما يعتمد عليه السوفسطائيون. وهذا هو السبب في أن سقراط بدأ بامتحان الألفاظ، وتحليل المعانى الكلية، للوصول إلى الحق الثابت. ومن هنا نشأت جماعة تذهب إلى أن جميع أنواع المغالطات يمكن ردها إلى الألفاظ، وقد ناقضهم أرسطو، وتبعه ابن سينا في ذلك.
(1) السفسطة لأرسطو 183ب، 3730
(2) السفسطة، ص 87. وانظر أيضا ص 56، 95