فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 534

نوعى المغالطة، اللفظية والمعنوية، نعنى تلك التى تصيب التصور وتلك التى تصيب التصديق، إلى أصل عقلى آخر هو العجز عن التمييز والتفرقة. وهذا هو المبدأ نفسه الذى ذهب إليه ديكارت في منهجه من وجوب الوضوح والتميز.

يحصل التميز ويسميه ابن سينا «التفصيل» أيضا في الذهن، وينشأ من تطبيق المعنى على اللفظ، وعن تصور المعنى في الذهن وصلته بالشئ الخارجى. ذلك أن اللفظ واسطة بين الشئ الخارجى، وبين المعنى الذهنى.

وعند ما يتعلق المنطقى باللفظ يبتعد عن المعنى، ثم عن الشئ الخارجى، فإذا شاء أن يلحظ الصواب فعليه أن يلحظ الشئ نفسه. أو بعبارة ابن سينا:

«ومن قدر على التميز بادر فلاحظ الشئ نفسه، وصار سماعه للفظ إشارة فيه على المعنى، حتى إذا قال موجود وواحد تميز له مثلا ما هو الأولى بذلك [1] .

وعنده أن الألفاظ أكثر تضليلا من المعانى، «ولذلك ما يقع الغلط في المحاورة أكثر منها في الفكرة» [2] . وهكذا وضع ابن سينا إصبعه على جو السفسطة الأرسطية، نعنى «المحاورة» ، فقد كان تعليم السوفسطائبين وخطابتهم وبلاغتهم، وجدل الإيليين، وفلسفة سقراط وأفلاطون، وحتى أرسطو نفسه، قائمة على المحاورة والمناقشة. وكان طلب المعرفة والعلم في ذلك العصر لا يعتمد على الكتب بمقدار ما كان يعتمد على السماع. ولم تكن المحاورة اللفظية، أو المناقشة [3] هى طريقة التعليم فقط، بل كانت كذلك الطريقة التى يتعاون بها الأصحاب في البحث عن الحقيقة الفلسفية. فلا غرابة إذن ألا يبحث أرسطو في معظم كتبه المنطقية في التفكير الذى يدور في الذهن، بل الحجة التى تجرى بين شخصين متنازعين. فهو يبحث في الطرق التى يمكن بها في هذه المحاورات اللفظية طلب الحقيقة، وامتحان الحلول المقترحة للمسائل

(1) السفسطة، ص 33

(2) السفسطة، ص 34

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت