فهرس الكتاب

الصفحة 491 من 534

ولعله شعر كذلك بأنه لو تعرض لهذه النماذج والشواهد التى قدمها أرسطو على فرض انه اجاد فهمها لكان كمن يتحدث الى غير مستمع.

فماذا عسى أن يفهم العرب من كلامه ان راح يفسر ويطيل في معانى الطراغوذيا والقوموذيا والديثورمبى ويروى شواهد من اسخيلوس وسوفقليس ويوريفيدس؟! ولهذا كان يمر بهذه الشواهد فلا يتعرض لها، بل يكتفى بأن يقول: «ثم ذكر (أى أرسطو) عادات كانت لهم في ذلك» (ص 171) ، او كما قال في الفصل الأخير: «وقد شحن هذا الفصل من التعليم الأول بأمثلة» (ص 197) .

وفى هذا مناط اعتذار لابن سينا عن قصوره في تلخيص كلام أرسطو:

فالأمر كله غريب عنه وعمن يتحدث اليهم.

لهذا لم يكن لنا أن ننتظر من ابن سينا أن ينتبه الى مسائل دقيقة مثل فكرة «التطهير» [1] التى شغلت الأوربيين فيما بعد، أو «وحدة الموضوع والزمان والمكان» ، أو الموازنة بين الملحمة والمأساة، أو بين المأساة والملهاة فكل هذه أمور تفترض بالضرورة مقدما أن يكون المرء على علم بالمسرح والمسرحيات، وهو أمر لم يتحقق لابن سينا أو غيره من الفلاسفة العرب، بل نستطيع أن نؤكد كذلك أنه لم يتحقق لواحد من المترجمين عن اليونانية، والا لوردت لنا عنه انباء فيما كتبوا عن انفسهم أو فيما ذكره عنهم المؤرخون. بل لا تدل الدراسات في الأديرة في ذلك العصر على أن الذين كانوا يدرسون اليونانية كانوا يحفلون بنتاج يونان الأدبى ادنى احتفال. وانما اقتصروا فيما يظهر على هذه الآثار الفلسفية والطبية والعلمية ولم تكن دراستهم لليونانية الا في متون نحوية أو كتب قراءة يونانية أولية لا تثير شوقهم الى الاطلاع على هذه الآثار الأدبية الرائعة التى ابدعتها عبقرية الاغريق.

(1) راجع مقدمة كتابنا: «أرسطوطاليس: فن الشعر» ص 49ص 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت