قل تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [المجادلة:2] وهذا التذييل لهذه الآية الكريمة مطرد في كتاب الله يفتح باب التوبة لكل مذنب، فكلما ذكرت كبيرة في كتاب الله وذكرت عقوبتها؛ ذيلت آياتها بفتح باب التوبة حتى لا يقنط شخص من رحمة الله، ولا ييئس شخص من رحمة الله، فاليأس من رحمة الله كبيرة {إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ} [يوسف:87] ، {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر:56] ، فحتى ينتفي هذا المعنى ألا وهو اليأس والقنوط من رحمة الله، فتح باب التوبة بعد ذكر الكبائر، فإلى هؤلاء الذين جهلوا وارتكبوا الذنوب، ويحتاج الذنب إلى رمضان يكفره، أو إلى عمرة تكفره، أو إلى حج يبيده ويزيله، وقد يعجز حتى الحج عن تكفير الذنب، فأمره يوكل إلى الله سبحانه وتعالى.
وقد جاءت فتاوى العلماء على هذا النمط في عدة مسائل، ليست عليها أدلة في الكفارات، كأن تذنب ذنبًا فتبحث عن فتاوى العلماء في هذا الذنب تجدها متعددة، فكلٌ قيَّم الذنب بحسبه، من ذلك -مثلًا-: كفارة من جامع زوجته وهو محرم، لم يرد فيها نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عموم قوله تعالى: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة:197] ، لكن كم هي الكفارة؟ من العلماء من قال: يذبح جملًا.
فكما أسلفنا أن عظم الكفارة تدل على عظم الذنب، والكفارات التي لم تحدد في الشرع، أو الفروض التي لم تحدد لها كفارات في الشرع، تقدر بقدرها، ويفعل الشخص حسنات توازيها أو تزيد عليها حتى تمحى وتزال، بدليل قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114] ؛ ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) ، وكما أسلفنا أن فتاوى العلماء أحيانًا تختلف في مسألة من المسائل، مثلًا: تجد شخصًا قد أذنب ذنبًا فذهب إلى الإمام الشافعي، فقال: كفارته كذا وكذا، وليس هناك دليل على هذه الكفارة التي ذكرها الإمام الشافعي، أو دليل على بيان حجمها، والإمام مالك رحمه الله تعالى يفتي بكفارة من نوع آخر، وأحمد يفتي بكفارة من نوع ثالث، فالكل نظر إلى حجم الذنب وإلى قدر الحسنات التي توازيه، فرأى هذا القدر يتمثل في كذا وكذا.
ومن هذا الباب ما روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن رجلًا أتاه فقال: يا ابن عباس! إني أذنبت ذنبًا كبيرًا كلما تذكرته اقشعر جلدي، قال: وما هو؟ قال: رزقت ببنت من زوجتي وكانت حسناء، فأصابني ما يصيب أهل الجاهلية من العار، وهممت بوأدها، ولكني تصبرت حتى كبرت وأصبحت ذات جمال، فقلت لأمها ذات يوم: جمليها وألبسيها أحسن الثياب، فجملتها وألبستها أحسن الثياب، ثم أخذتها فلما رأت أمها في وجهي الشر قالت: اتق الله ولا تمس ابنتك بسوء، فوعدتها خيرًا، وذهبت بها بعيدًا إلى حافة بئر، فأردت أن أقذفها في البئر، فتعلقت بثيابي وقالت: يا أبتِ! ماذا تريد أن تصنع بي؟ فأمسكت عنها، وأخذتني الرأفة، ثم ذهبت بها بعيدًا وعاودني ما يعتري أهل الجاهلية من الجهل والعار فجئت لأدفعها فتعلقت بثيابي قائلة: يا أبت! ماذا تريد أن تصنع بي؟ فأخذتني الرأفة، ثم تحاملت على نفسي وقذفتها في البئر وقتلتها، فماذا عليّ يا ابن عباس؟ فـ ابن عباس استعظم الذنب -وهذا هو الشاهد- فقال: اذهب فلا أجد لك شيئًا، فانطلق الرجل ثم دعاه ابن عباس فقال: هل لك أم حية؟ قال: لا، فانصرف الرجل ثم رجع إلى ابن عباس فقال: يا ابن عباس! وماذا تريد مني بسؤالك: هل لك أم حية؟ قال: لا أعلم شيئًا يوازي الذي صنعت إلا برك بأمك.
فـ ابن عباس رضي الله عنهما نظر إلى حجم الذنب، ونظر إلى حسنة تكافئ هذا الذنب أو تزيله وهو البر بالأم، فمن ثم بين للمذنب هذه الحسنات وهذه الخيرات التي تباد بها هذه السيئات.
إذًا: إذا علمت هذا؛ فلا يعد خلافًا بين العلماء أن يفتي عالم بفتاوى وبكفارة معينة في المسائل التي ليس فيها نص، ويفتي عالم آخر بكفارة أخرى في نفس المسألة التي ليس فيها نص، فيكون هذا قد اجتهد في تحديد حجم الكفارة، وهذا قد اجتهد في تحديد حجم الكفارة.
أما أن تأتي وتقول: المسألة ليس فيها دليل فيكفي أن تستغفر الله، صحيح أن المسألة ليس فيها دليل، لكن نهاية الكلام فيه قصور، فالاستغفار قد لا يكفي في أكثر الأحيان مع الذنوب الكبار، إلا إذا شاء ربي شيئًا آخر.
فمن ثم جاءت عقوبة الظهار تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فدل على عظم ذنب من قال لزوجته هذا القول المنكر: أنت عليّ كظهر أمي، فهي مقولة لا تصدر إلا من أهل الجهل وأهل الغباء، إذ هي في نفسها مقولة قبيحة مستقبحة مستنكرة، هي منكر من القول كما وقال ربنا، وإضافة إلى النكارة فهي زور {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} [المجادلة:2] .