تعد حادثة الفيل من الإرهاصات، كما أن اقتتال الأوس والخزرج يعد من الإرهاصات، أعني: من المقدمات بين يدي بعثة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكتوطئات لبعثة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقوله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ} [الفيل:1] قال كثير من أهل العلم: إن النبي صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل فما رأى صلى الله عليه وسلم الذي حدث في هذا العهد.
فكلمة (ألم تر) في كتاب الله تأتي أحيانًا ويراد بها الرؤية الحقيقية، وتأتي أحيانًا ويراد بها العلم، كقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة:243] ، وقوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} [الفجر:6] ، وقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} [إبراهيم:28] ، فكلمة: (ألم تر) أحيانًا تأتي بمعنى: ألم تعلم، وتكون الرؤية رؤيا بالقلب، أي: ألم تر بعين قلبك، وأحيانًا تكون الرؤيا بالعين.
فهنا المراد بالرؤيا العلم، أي: ألم تعلم، والهمزة للاستفهام المقتضي التقرير، كما في قول فرعون لموسى: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} [الشعراء:18] أي: قد ربيناك فينا وليدًا، فهي همزة للاستفهام الذي يقتضي التقرير، وكما في قول الشاعر: ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح أي: أنتم كذلك.
فـ (ألم تر) معناها: ألم تعلم، ومعناها أيضًا: قد علمت يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل.
وفي قوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ} [الفيل:1] لم يقل: ألم تر كيف فعل الله بأصحاب الفيل، وأن ربك هو الله، للإشعار بالمؤانسة.
وأيضًا قوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل:1] معناه أن الله ناصرك، فإنه نصر قومك من قبل على أصحاب الفيل، فكلمة (ربك) هنا تشعر بالمؤازرة والمؤانسة، إذ هو ربك وهو ناصرك سبحانه وتعالى.