{وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} [التكوير:8] : الموءودة هي: المدفونة حيةً في الصغر، وكان أهل الجاهلية يئدون البنات خشية العار على زعمهم، ويقولون: إنه لا نفع في البنت -عياذًا بالله من ذلك- روى البخاري في الأدب المفرد ما حاصله: أن رجلًا جاء إلى ابن عباس وقال: يا ابن عباس! إني أذنبت ذنبًا عظيمًا وجئت أستفتيك، قال: ما هو؟ قال: كانت لي امرأة فولدت لي جاريةً حسناء جميلة، فأردت أن أئدها عند مولدها، ثم تركتها حتى شبت شبابًا حسنًا، وهي جميلة فقلت لأمها ذات يوم: ألبسيها ثوبًا جميلًا، فألبستها ثوبًا جميلًا؛ لكنها رأت في وجهي الشر، فاستحلفتني ألَّا أفعل بها شيئًا مكروهًا، فوعدتها خيرًا ثم أخذتها وانصرفت، فلما انصرفت وابتعدت عن عين أمها جئت إلى شفير بئر لأقذفها في البئر، فقالت: يا أبي! -وتعلقت بثيابي- ماذا تريد أن تفعل بي؟ فأخذتني الشفقة فتركتها، ثم تذكرت العار، فقمت لأقذفها، فتعلقت بي ثانيةً وقالت: يا أبتِ! ماذا تريد أن تصنع بي؟ فتركتها، ثم تحاملت على نفسي وقذفتها في البئر وأتبعتها الحجارة، فهل لي من توبة؟! إلخ الأثر، فكان أهل الجاهلية يئدون البنات، كما قال سبحانه: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًَّا وَهُوَ كَظِيمٌ} [النحل:58] أي: ممتلئًا غمًا وحزنًا وهمًا {يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل:59] ، وكان أحدهم يعتزل امرأته الشهور إذا ولدت بنتًا، حتى قالت امرأة شعرًا: ما لـ أبي حمزة لا يأتينا؟! حزينَ ألَّا نلد البنينا! وهل لنا من أمرنا ما شينا؟! إنما نحن وعاء لما أُعطينا فكان دأبهم هجران المرأة إذا ولدت بنتًا، وللأسف هذا موجود في أوساط المسلمين الآن، حتى بين بعض الملتحين، والله يقول: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} [النساء:11] ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من عال جاريتين حتى تبلغا، كنت أنا وهو كهاتين، وفرَّج النبي صلى الله عليه وسلم بين إصبعيه) ، وأتت امرأة إلى عائشة ومعها ابنتان لها تسألها الصدقة، فلم تجد عائشة إلا تمرة، فأعطتها إياها، فقسمت المرأة التمرة بين ابنتيها، فأخبرت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: (إن الله قد أوجب لها بذلك الجنة!) .
فإن قال قائل: إذا كانوا يئدون البنات فمن أين كانوا يتزوجون؟ فالإجابة: منهم من كان لا يئد البنات، وكان في قلبه بعض الرحمة، كـ زيد بن عمرو بن نفيل وقد كان مسلمًا، وبذلك افتخر الفرزدق على جرير فقال: وجدي الذي أحيا الويئدة ومنع الوئيد فلم يوأد فكان يذهب إلى الرجل الذي ولدت امرأته بنتًا فيقول له: أعطني البنت، فيأخذها ويربيها، فإذا كبرت جاء بها إلى أبيها وقال: إن شئت أن تأخذ ابنتك أخذتَها، وإن شئت أن تزوجها زوجتَها، فمثل هذا يُفتخر به.
كلنا يعلم أن فاطمة بنت رسول الله خيرٌ من ملء الأرض من مثل ابن نوح، وهي أنثى وهو ذكر، لكنه من الكافرين، وهي سيدة نساء أهل الجنة، وكم من ذكر أرهق أبويه طغيانًا وكفرًا! ولماذا تُسأل الموءودة؟ الموءودة تُسأل لتبكيت والدها، فتُسأل الموءودة: لماذا وُئدتِ يا موءودة؟! وليس المراد توجيه السؤال إلى الموءودة بالدرجة الأولى؛ ولكنها تُسأل لتبكيت من وأدها، فيتوجه اللوم والتعيير إليه، ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة:116] وليس المراد بهذا السؤال عيسى بالدرجة الأولى، فالله يعلم أنه ما قال ذلك، {قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} [المائدة:116] ، ومن ذلك قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [سبأ:40-41] ، ومن ذلك قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ} [الفرقان:17-18] -غمرتهم بالنعم حتى كفروا- {حتى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} [الفرقان:18] فيرجع الخطاب إلى الكفار: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ} [الفرقان:19] يا أيها الكفرة! هذه آلهتكم التي عبدتموها كذبتكم {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا} [الفرقان:19] -أي: صرف العذاب- {وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} [الفرقان:19] .
فالموءودة تُسأل لتبكيت القاتل، ومن العلماء من قرأها: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سَألَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير:8-9] قراءة شاذة، وتفسيره مبني على هذه القراءة؛ لكنه وجه ضعيف، ويشهد له حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (يأتي المقتول يوم القيامة، وهو يحمل رأسه آخذًا بتلابيب قاتله فيقول: يا رب! سل هذا فيم قتلني؟) أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.