فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 2242

موالاة الكفار: هل هي من نفاق الاعتقاد، أم من نفاق العمل؟ الله يقول في هذه الآية الكريمة: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء:138] ، ثم ذكر الله سبحانه وتعالى خصالهم فقال: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء:139] فهذا نفاق، لكن هل هو نفاق اعتقاد، أو نفاق عمل؟ هذا مبني على القصد من وراء تلك الموالاة، فإذا كان الشخص يوالي الكافرين حبًا لدينهم، وتفضيلًا لدينهم على دين الإسلام، فهو منافق نفاق اعتقاد قال الله سبحانه في أهله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء:145] ، أما إذا كان يوالي الكفار طلبًا للدنيا وحبًا لها، وطمعًا في مال أو في جاه أو في رئاسة، أو في أي غرض من أغراض الدنيا فهو نفاق عمل.

وقد أرسل حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين بمكة خطابًا يخبرهم فيه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم يستعد لغزوهم، فلما أطلع الله نبيه عليه الصلاة والسلام على الذي كان من حاطب بن أبي بلتعة قال عمر: (يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق؛ إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا حاطب! ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله! والله ما بي من كفر، ولا أعدل بالإسلام دينًا -أو كما قال- ولكني نظرت فإذا كل أصحابك يا رسول الله لهم بمكة من يدفع الله به عن أهلهم ومالهم، وكنت امرأً ملصقًا بالقرشيين، فأردت أن أتخذ عندهم يدًا يدفع الله بها عن أهلي ومالي، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: صدقت، ولا تقولوا له إلا خيرًا) .

وفي رواية أخرى: (وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم) .

فإن كانت الموالاة طلبًا لجاه أو لدنيا، فلا تخرج صاحبها من عداد المسلمين إلى عداد الكفار، وإن كانت هي في نفسها نفاقًا وحرامًا وكبيرة من الكبائر؛ لكن كونها تُكفّر صاحبها وتخرجه من عداد المسلمين إلى عداد الكفار فيه نظر.

فالحاصل: أن العبرة بالقصد من وراء موالاة أهل النفاق، فإن كان الشخص يواليهم حبًا لدينهم فهو مثلهم، وإن كان الشخص يواليهم لدنيا فهو آثم لكنه ليس بكافر، والله أعلم.

قد يقول قائل: إن قوله تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} يفيد: أنهم كفار؟ فالإجابة على هذا الذي قد يرد: أنه إذا قلنا هنا إن المراد بالعذاب الأليم الخلود، فيراد بالمنافقين: منافقي الاعتقاد.

أما إذا قلنا إن العذاب الأليم قد يلحق قومًا من أهل الإسلام، فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (اطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء، قيل: بم يا رسول الله؟ قال: يكثرن الشكاة ويكفرن العشير) ، فكثرة الشكوى وكفران العشير أودى بالنساء إلى النيران، ومع ذلك لسن بكافرات، والمفلس كذلك يلقى في النار وليس بكافر، ثم بعد ذلك يخرج منها، بل وصاحب نبي الله صلى الله عليه وسلم وخادمه الذي كان يخدمه قتل ومات مع النبي في غزوة، فقال الصحابة: (هنيئًا له الجنة! قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشملة التي غلها يوم خيبر لم تصبها المغانم لتشتعل عليه نارًا) .

الشاهد: أن المنافقين هنا إذا قلنا إنهم منافقو الاعتقاد فلا إشكال (فلهم عذاب أليم) أي: عذاب الخلود، وإذا قلنا: إن النفاق نفاق عمل فكل عذاب النار مؤلم وموجع، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أدنى أهل النار منزلة: من له شراكان من نار يغلى منهما دماغه) أي: نعلان من نار يغلي منهما دماغه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت