{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف:82] ، أي: اسأل يا أبانا أهل القرية، كما قال القائل: وسبحت المدينة لا تلمها رأت قمرًا بسوقهم نهارا أي: سبح أهل المدينة.
فقولهم: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) أي: واسأل أهل القرية، ومن أهل العلم من أورد وجهًا آخر فقال: واسأل القرية نفسها ببيوتها وأشجارها وأحجارها، فأنت نبي، والأنبياء لهم مثل هذه الخصائص، قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: (إني أعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي) ، فهذه من خصوصيات الأنبياء.
{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} ، أي: فقد شاع الخبر فيها، وأي بلاء أشد من هذا البلاء؟! وأيضًا على يعقوب عليه السلام أي بلاء أشد من أن يؤخذ ولده بجريرة السرقة؟! فالبلدة كلها تتحدث، مصر تتحدث أن ثَم رجالًا قدموا من بلاد كنعان أحدهم قد سرق، هكذا يتحدث أهل هذه القرية، والعير أيضًا: {وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا} [يوسف:82] ، فالعير وأصحاب القوافل يتحدثون أيضًا أن ولدًا من أولاد يعقوب قد سرق، فتخيل أنت هذا المأزق وهذه المحنة، وهذا الابتلاء الشديد!! إذا أتاك آت وقال: ولدك سارق، ولدك أخذ كعبد مسترق من أجل السرقة إنه بلاء تلو بلاء يعتري الأنبياء وأهل الفضل والصلاح، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يبتلى الرجل على قدر دينه؛ فإذا كان في دينه صلابة زيد له في البلاء) ، وكما قال ابن مسعود: (يا رسول الله! ما لك توعك كما يوعك رجلان؟ قال: أجل؛ إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا الأجر كما يضاعف لنا البلاء) .
فنبي الله يعقوب ابتلي بفراق يوسف، ثم ابتلي بفراق شقيق يوسف بنيامين، وليس بموته، فالموت كتبه الله على كل نفس، ولكن لسرقة ولاسترقاق ناله بعد هذه السرقة، وأصبح الناس يتحدثون، فالقوافل راجعة إلى بلادها تحمل الطعام والشراب، وإخوة يوسف يرجعون إلى بلادهم بتخلف أخيهم، وبحمل تهمة السرقة إلى أبيهم هكذا يبتلي الله سبحانه أهل الفضل والصلاح، وهكذا الحياة الدنيا، يصبر على ذلك الصابرون وييأس اليائسون.